اليكسي.. والثورة الفرنسية
ونستكمل مجددا حديثنا عن الموسوعي الراحل “خليل كلفت” للمرة الثالثة علي التوالي, ويؤسفني جدا وأتعجب, ولعلك تشاركني الأحساس قارئي العزيز حين تعلم أن مثقفا حقيقيا ومترجما مبدعا بحجم “كلفت” طوال رحلة حياته العملية , والتي امتدت إلى ما يقرب من النصف قرن, كان قد عكف في معظمها علي دراسة وترجمة روائع فكرية وأدبية لم يسبق ترجمتها لللغة العربية من قبل, إلا أنه لم يحصل طوال هذا العمر الممزوج بالإنتاج الثري الغزير والمتنوع سوي علي جائزتين فقط !! الأولي هي الجائزة (الأورومتوسطية) في الترجمة, والتي ساعدت قيمتها المادية في تغطية نفقات علاجه لإجراء عملية زراعة الكبد في إيطاليا عام 2007م , والثانية كان قد حصل عليها مؤخرا وهي جائزة (رفاعة الطهطاوي) عن ترجمته لكتاب (النظام القديم والثورة الفرنسية) لمؤلفه “أليكسي دو توكفيل”.
وأستأذنك قاريء العزير أن تسمح لي بأن أترك الورقة والقلم, ومن قبلهما الفكر والرأي لكاتبنا “كلفت” كي يسطر لنا باقي محتوي هذا المقال, ويضطلعنا علي بعض من إبداعه وبخاصة السياسي خلال رحلته الغنية بالجدية والجهد والوعي…
ففي عام 2010 م أصدر ترجمته لكتاب (النظام القديم والثورة الفرنسية) لمؤلفه “أليكسي دو توكفيل”, وأليكسي (1805-1859م) كان وزير خارجية فرنسا وعمل فترة كسفير لها لدي أمريكا, ويعد من أبرز كبار مثقفي وساسة فرنسا, وعن هذا الكتاب يروي “كلفت” أنه في البداية تحمس بشكل شخصي لقراءته وترجمته إلي العربية حتي يتسني الأستفادة منه في العالم العربي, وإيمانا منه ايضا بأفكار “توكفيل”, والذي قد قرأ له قبل ذلك عدة كتب كان من أهمها كتاب كبير، ضخم الحجم، عظيم المحتوي هو (عن الديموقراطية في أمريكا), كذلك كانت ترجمة كتاب “توكفيل” محاولة من”كلفت” للتعرف علي الثورة الفرنسية ومراحل تطورها بشكل أكثر تفصيلا في سياقها التاريخي, إلا أنه إكتشف بعد قراءته وإستيعابه للكتاب , أنه ليس مجرد تأريخ للثورة الفرنسية وحسب, بل أنه دراسة متعمقة, و بلورة واضحة للثورة الفرنسية تحديدا ومفهوم الثورة بشكل عام , وكانت تلك مفاجأة سارة جدا بالنسبة ل “كلفت”، حيث أشبعت فيه روح الشغف للنقل و النهل من مناهل المعارف والأفكار الغير متدوالة علي الساحة في مجتمعاتنا بالشكل الكافي، مما يؤهل لإستخدامها والقياس عليها أو تطبيقها علي واقعنا المعاش. فقد إستوعب كاتبنا فكرة “توكفيل” عن الثورة, وأوضح ذلك في مقدمته عن الكتاب, حيث شرح فكرة أن الثورة ثورتان، فالثورة الفرنسية ساعدت علي الإنتقال بالمجتمع من الإقطاع إلي الرأسمالية, و من هنا برزت فكرة “توكفيل” الأساسية أن الثورة (ثورتان) ثورة أجتماعية وآخري سياسية.
ويالها من فكرة هامة شديدة العمق, وغياب مثل هذه الفكرة (التوكفيلية) عن أذهان كتابنا ومحللينا السياسيين عندما يكتبون عن الثورات,أمر في منتهي الخطورة, حيث يؤثر علي مدي فهمهم لمثل هذه الثورات وتناول القضايا المتعلقة. هذا من جانب, ومن جانب آخر فأنما يبرز لنا هذا التحليل ل “كلفت” مدي حجمه كمفكر ومثقف ومحلل سياسي, يمتلك ادوات اللغة والثقافة، فهو ليس مجرد مترجم وكفي, حيث تشعر وأنت تقرأ لأي من ترجماته, أنك أمام كتاب أصلي وليس بشيء مترجم علي الأطلاق , بداية من سلاسة اللغة و المفرادات, مرورا بترابط الجمل في السياق و قوة التعبير, ووصولا الي أصابة الافكار بمنتهي الدقة والوضوح والحرفية التي ليس لها مثيل, مع الصياغة بأسلوب أدبي راقي, فالمترجم المبدع تصبح ترجمته أبداعا ممتعا, بفضل ثقافته, في حين تكون ترجمة المترجم العادي ضعيفة وغير دقيقة .
ومازال لحديثا بقية..
التصنيف:
