النصرة حسب الاستطاعة
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]أ.د. محمود نديم نحاس[/COLOR][/ALIGN]
بعد مقالي السابق عن ثقافة \”قم يا صلاح الدين\” التي جعلتنا نظن أن صلاح الدين سيأتي من السماء ليقوم بالعمل نيابة عنا، أرسل لي صديق عربي أمريكي الجنسية يقول: نعم إن كثيرون ينتظرون قدوم صلاح الدين ليريحهم من أي عمل إيجابي. وضرب لي مثلاً حصل معه، فقد أراد أن يدعم مرشحة أمريكية للكونجرس متعاطفة مع قضايانا، فعمل حفلة دعاها إليها مع أكثر من خمسين من الميسورين العرب الأمريكيين لعلهم يشكلون (لوبي) صغيراً. لكن لم يحضر سوى ثلاثة من المدعوين! ويعلق صاحبي: أتعجبون لماذا لا يتعاطفون معنا؟
أما صديقي المصري فكان أمره مختلفاً. ففي رأيه لماذا لا نضع النقاط على الحروف ونقول مَن الذي بدأ هذه الحرب غير المتكافئة؟ وقال: أما سمعت ما قاله كبير الفنانين في مصر؟
قلت له: يا صاحبي، الصحف مليئة بالتحليلات السياسية لمن أحب أن يلج هذا المضمار. أما أنا فحسبي أن أكون مثل هيئات الإغاثة التي لا تتدخل في السياسة، بل تساعد المنكوبين بما تستطيع. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية ألم تسمع رد الفنانين الآخرين الذين قالوا عن كبير الفنانين: (إنه خرج عن الإجماع الفني والجماهيري وأعلن موقفا مغايرا ما كنا ننتظره منه أو نتوقعه، خصوصا أنه يقوم بدور إنساني من خلال اختياره سفيرا للنوايا الحسنة من أجل اللاجئين أو المشردين في هذا العالم، لكن ما قاله يتناقض مع هذا الدور، وتصريحاته الأخيرة لا تمت إلى المنطق بأي صلة لأنها تظهره كأنه يبيع جمهوره بموقف فيحاكم الضحية ويساند الجلاد).
قال: وأين قرأت هذا الكلام؟ قلت: أليس عجباً أن تسألني عن شيء منشور وأنت أستاذ جامعي؟
قال: وحتى المملكة غير متفقة في الرؤية مع بعض الفصائل الفلسطينية وإن كانت تقف على مسافة واحدة منها. قلت: حتى لو صح هذا فإنه لم يمنع المملكة من عمل إيجابي رائع في مد يد المساعدة للمنكوبين، فكانت طائرات الإغاثة السعودية من أوائل ما وصل، ثم كانت حملة (خادم الحرمين الشريفين لإغاثة الشعب الفلسطيني بغزة) فبدأها حفظه الله بنفسه فتبرع بمبلغ ضخم، ثم انطلقت الحملة في جميع مناطق المملكة ومحافظاتها. وصدر بيان اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الذي يطلب (النصرة لإخواننا، حسب الاستطاعة، سواء كانت مادية أو معنوية، وبذل النصيحة لهم ودلالتهم على ما فيه خيرهم وصلاحهم، والدعاء لهم برفع محنتهم وكشف شدتهم وصلاح أحوالهم وسداد أعمالهم وأقوالهم).
فهذا البيان يطلب النصرة حسب الاستطاعة، وقد أعجبني ما فعله اللاعب المالي عمر كانوتيه (أفضل لاعب أفريقي لهذا العام) وهو يعبر عن تضامنه مع ضحايا العدوان على غزّة. فبعد تسجيله الهدف الثاني لفريقه إشبيلية في مباراته أمام ديبورتيفو لاكورونيا في كأس إسبانيا, رفع قميصه ليظهر اسم فلسطين منقوشا عليه بعدة لغات أبرزها العربية، وتحمَّل الغرامة بسببها. وقد فعل ذلك قبله اللاعب المصري محمد أبو تريكة حيث قام بلقطة مشابهة خلال كأس أفريقيا للأمم في غانا والتي فازت بها مصر، حيث رفع قميصه ليظهر من تحته قميص آخر كتبت عليه عبارة \”تعاطفا مع غزة\” باللغتين العربية والإنجليزية. فهذان نصرا القضية حسب استطاعتهما.
ثم هل رأيت الجمهور التركي يجبر فريق كرة السلة الإسرائيلي على الانسحاب من المباراة من خلال توجيه كلمات قاسية للفريق ولدولته؟ فهؤلاء أيضاً عملوا بما استطاعوا.
قال: الذين يدعمون إسرائيل يبررون بأن فعلها دفاع عن النفس، فما رأيك؟ قلت: أي دفاع عن النفس هذا الذي يقتل النساء والأطفال ومن لا يحمل السلاح من الرجال؟ ألا تذكر أننا عشنا في بريطانيا في الفترة التي كان فيها الجيش الجمهوري الأيرلندي يوجّه ضربات موجعة لبريطانيا؟ فهل قامت بريطانيا بإحراق الأرض في شمال أيرلندا؟ هل قصفتها من الجو والبر والبحر؟ هل دمرت البنى التحتية أو المباني فوق رؤوس ساكنيها؟ وهل حاصرتها وقطعت عنها الطعام والدواء والكهرباء؟ أم قصرت أعمالها على من يحاربها؟ بل ألم يكن المسؤولون من أولئك الأيرلنديين من غير الجناح العسكري يظهرون على شاشة التلفاز البريطاني الرسمي ليعرضوا وجهة نظرهم؟
لقد أيقظت هذه الحرب ضمائر بعض الغربيين، واقرأ إن شئت تصريحات بعض المسؤولين الغربيين أو مقالات بعض كتّابهم. ففي مقال بعنوان: (لماذا يكرهوننا) منشور في صحيفة الإندبندنت البريطانية يقول روبرت فيسك: (فتحت إسرائيل أبواب جهنم حينما بدأت في غزو قطاع غزة, لم تكتف بقتل المدنيين في منازلهم ولكنها استهدفت الأطفال والنساء بداخل مدارس الأنروا وهي المدارس التابعة للأمم المتحدة, ولقد مات في هذا القصف نحو 43 طفلا… تمارس إسرائيل إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني).
قال صديقي: لماذا يهاجم الناس بعض الدول ويسكتون عن غيرها؟
قلت: صحيح انك أفحمتني، لكن هل يُقاس على الخطأ؟
كلية الهندسة .. جامعة الملك عبد العزيز
[email protected]
التصنيف:
