المجهر .. إسرائيل، ماذا بعد؟
بعد ستين عاماً على الولادة القيصرية لا تلوح بالافق اية امكانية لفصل الحبل السري بين اسرائيل والعالم الغربي، وبالتالي لامكانية العيش عيشة طبيعية دونما مصال او مقومات او تهيئة ظروف خاصة .
فبناء الجدار العازل الواقي او الفاصل الامني او السياسي تكون اسرائيل وبعد مرور ٦٠ عاما على انشائها قد اكتشفت او ثبت لها انها لن تكون اكثر من غيتو كبير اعيد انتاجه بعد ان تأكد لها ان امكانية عيشها ووجودها لجزء طبيعي من المنطقة ليس الا اضغاث احلام وانها على احسن الاحوال لن تلقى مصيرا مخالفا لمصير امارة بيت المقدس او غيرها من امارات الفرنجة التي اقيمت ابان الحملات الصليبية .
فبعد كل هذه السنوات مازال العامل الحاسم في بقائها شريان الدعم الغربي والقوة العسكرية الناجمة عنه .
ليس ادل على فقدان الامن والامان والمستقبل من الاضطرار الى العيش داخل اسوار او قلعة، ولعله من الواضح ان هناك الانكفاء داخل السور هو اول مؤشرات النهاية، ومن يقرأ التاريخ يعرف ان الاسوار لم تحم جدارا ايلا للسقوط من السقوط المحتوم . ومن المفارقات ان اسرائيل التي وصلت مع ذكرى الستين الى اقصى درجات القوة، واقصى درجات التماثل مع الغرب، تجد نفسها في ادنى درجات الامن والامان ومضطرة للانكفاء داخل السور كأي قلعة دارسة من قلاع الغزاة التي نشهد اطلالها في معظم انحاء بلاد الشام والعالم الغربي .
ولو حاولنا رصد المتغيرات خلال الستين عاما الماضية لوجدنا التالي :
) ١ الشعب الفلسطيني خرج ككيان سياسي وكشخص معنوي من تركيبة العالم مع نكبة عام ١٩٤٨، وتحول الى لاجئين واوقفت الامم المتحدة مناقشة قضيته كقضية سياسية تماماً تحت تأثير السيد تريفيفي، واستبدل النقاش السياسي بنقاش تقرير وكالة الغوث .
هذا الشعب قد عاد بالتدريج ليكتسب الصفة المعنوية كشعب يسعى لتقرير مصيره وانشاء دولة، واصبح هذا الموضوع جزءا اساسيا من السياسة العالمية، ولننظر الى بعض الاساطير الصهيونية ونتأمل الى اين ذهبت فلسطين كما انجلترا انجليزية، ارض بلا شعب لشعب بلا ارض . اين الفلسطينيون الكبار، والصغار ينسون . الفلسطينيون داخل فلسطين اكثر تمسكاً بعروبتهم وارضهم من اي وقت مضى، وهم في خارج فلسطين اكثر تمسكا بفلسطينيتهم من اي وقت مضى وهو ما سيجعل تركيز القوة الاسرائيلية في المستقبل على الحرب ضد الشعب الفلسطيني لاضعافه كيانياً وهكيلياً، وكذلك لمحاربة حق العودة .
) ٢ في العام ١٩٦٧م احتلت اسرائيل كل الضفة الغربية وقطاع غزة بساعات بعد العام ٢٠٠١م احتاجت لايام طويلة لتتمكن من احتلال مخيم جنين . والاهم انها اضطرت للانسحاب من غزة بسبب المقاومة وهو ما انهى زمن التمدد مؤذنا ربما بزمن الانحسار .
) ٣ في العام ١٩٦٧م هزم الجيش الاسرائيلي ثلاث دول عربية في ساعات، وفي العام ٢٠٠٦م هُزم امام حزب الله وهو ما انهى زمن الانتصارات السهلة والرخيصة ليبدأ زمن المعارك الصعبة وربما الهزائم .
) ٤ حاصرت اسرائيل المناضل ياسر عرفات مرتين الاولى في بيروت عام ١٩٨٢م واجبرته على الخروج الى أبعد بقاع الارض لتجد نفسها تحاصره مرة اخرى سنة ٢٠٠١م في
مدينة رام الله .
ومن وجهة نظر تاريخية لمصلحة من يا ترى كانت الاعوام الثلاثون؟ ومن اقترب من هدفه اكثر عرفات ام شارون؟
) ٥ على المستوى الديمغرافي تواجه اسرائيل خيارين، الاول ان تتحول الى دولة ديمقراطية منزوعة الصفة الصهيونية تتيح حرية التعبير لكافة مواطنيها للتماشي مع العصر، وهذا سيؤثر حتماً على نقاء الدولة ويهوديتها !!والثاني : ان تستمر كدولة تفرقة عنصرية يصادر حق جزء كبير من شعبها بشكل متصاعد، وربما ستتركز الاستراتيجية الاسرائيلية في المستقبل على موضوع الاعتراف بها كدولة يهودية وذلك كحل للمعضلة .
) ٦ اتسعت دائرة اعداء اسرائيل لتشمل دول محيط العالم العربي وليس فقط القلب، وعلى الاخص ايران وتركيا والباكستان وافغانستان واندونيسيا وصار الهتاف ضد اسرائيل هو الشعار الاكثر شعبية في جميع هذه الدول .
ووصل هاجس الامن الاسرائيلي الى مستويات مرضية، فقد كان العسكريون الاسرائيليون يرون خط الخطر على اسرائيل \” اي الخط الذي يستلزم تحرك استباقي \” وهو خط يصل القاهرة بدمشق ثم توسع شرقاً ليشمل بغداد والآن طهران او كراتشي وكابول وبعدها انقرة وربما بعد ذلك يتوسع ليشمل كوالالمبور وجاكرتا وعمق اوزباكستان وكازاخستان، ومن يدري بعد ذلك الى اي حد ستصل تداخلات اسرائيل الامنية، المشروع النووي الايراني، والباكستاني ومناهج التعليم في العالمين العربي والاسلامي ومشاريع المياه والطاقة، وربما نشهد يوما تطالب فيه اسرائيل بالحد من التعلم او بحظر تعلم الفيزياء والكيمياء، او باقصاء الطلاب المتفوقين بحجة ان تعلمهم يشكل خطرا على امن اسرائيل، او ان تطلب مثلا تحديد النسل بحجة الخطر الديمغرافي الى اخر المطالب التي سيعجز عن تلبيتها اي كان .
) ٧ تكاد القدرة البشرية لاسرائيل ان تصل طاقتها الحدية وكذلك فيما يتعلق باستثمار عناصر القوة المتاحة، فالجيش قد وصل الى اقصى طاقة بشرية ممكنة وكذلك العمالة، بينما افاق التطور في العالم العربي مفتوحة وضعيفة الى زوال . اما القوة الاسرائيلية فقد بدأت تصل الى حدودها القصوى لتصل فيما بعد الى عجز القوة . كلنا يعرف ان حلول مشكلات عجز الضعف ايسر من حلول عجز القوة .
لا يمكن الاستمرار بالبقاء بالاعتماد على ميزان القوى فقط، فهو ميزان متغير وربما متآكل .
) ٨ عنصر القوة الاهم الباقي لاسرائيل هو التحالف مع الولايات المتحدة الامريكية، وتحديدا اكثر : هو اللوبي الاسرائيلي هناك ايباك Aipac\”وهذا لن يستمر للابد . ومن يقرأ كتاب اللوبي الاسرائيلي والت ميرشماير، يعرف هذا هو العنصر الأهم ليس في قوة اسرائيل فقط وانما في السياسة الخارجية الامريكية عامة والشرق الاوسط خاصة والوزن الذي تحتله اسرائيل في امريكا ينعكس نفوذا في بقية انحاء العالم نظرا لاحتياج الجميع للرضا الامريكي الذي يمر قسرا عبر تل ابيب، وهو ما يضعها حالياً كدولة فوق القانون متحررة من تبعات اعمالها دون رقابة خالقاً زهواً بالقوة مصحوباً بفقدان الرؤية، يمنع الميزة الاستراتيجية من التحول الى مُعطى طبيعي .
) ٩ لم تنجح معاهدات السلام مع الحكومات العربية في تغيير الموقف الشعبي الكاره لاسرائيل والرافض لوجودها، كما لم تفلح محاولات التطبيع والعبث بالمناهج المدرسية، والاعلام في تخفيف العداء ولربما ان الشباب العربي والمسلم اكثر عداء لاسرائيل من اي وقت مضى .
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]عبدالحميد الدرهلي[/COLOR][/ALIGN]
التصنيف:
