المؤلف.. عين على الجوائز وعين على القارئ !!
أعتقد أن المؤلف لا يضع حسابات الربح والفوز عندما يقرر أن يدفع بمؤلفه إلى المكتبات، بقدر ما يتمنى أن يصل صوته وإبداعه لأكبر قدر وعدد من الناس.
وعلى الرغم من هذا كثرت الجهات التي تقدم جوائز للمثقفين والمؤلفين في مجالات الأدب المتنوعة، من هيئات حكومية إلى مؤسسات أهلية، بل أيضاً أسماء عرف عنها التفاعل مع المجتمع وقضاياه أخذت على عاتقها إطلاق جوائز للمبدعين.
وعلى الرغم من تصاعد النقاش حول جدوى منح جوائز للإبداع بصفة عامة، فإن هناك آراء تقول: كيف تتم مكافأة مؤلف كتب عن معاناة البؤساء والمعذبين؟ أنه يستلهم إبداعه من حرمان المحرومين، ثم يأتي من يمنحه الأوسمة والشهادات والمبالغ المالية، ويصعد المبدع
على منصات التشريفات.. وهو لم يكن ليصل إلى هذه الدرجة، ويرتقي سلم النجاح لولا أولئك الملهمون الغارقون في المعاناة والألم من الفقراء والمعدمين؟ و إذا كان في هذا القول مثالية غير منصفة ونظرة غير متوازنة، فإنه يبقى قولاً متداولاً..
في المقابل هناك آراء أعمق و أكثر اتساعاً تعتبر ظاهرة الجوائز الأدبية، ظاهرة صحية تنم عن وعي المجتمع وتطوره ورقيه، وبالتالي فإنها أصبحت علامة معاصرة وكأنها تحصيل حاصل. ولكن هل يجوز أن ينحصر الدعم والرعاية والاهتمام للحركة الثقافية والأدبية في مجال منح الجوائز التقديرية والمالية فحسب، أم أن هناك أفكاراً أكثر جدوى على صعيد توفير دعم مستدام لحركة التأليف والنشر، وبالتالي الوقوف مع المؤلفين والكتاب.
مع التسليم بأن الأدب لا هوية له، و أن النص الناجح هو الذي يلامس الإنسان ويحرك مشاعره في أي بقعة من العالم، كما أنه من الجميل أن تخرج هذه الرعاية والاهتمام لتكون عامة وليست موجهة لفئات محددة.
هناك أيضا تساؤلات يطرحها موضوع الجوائز الثقافية والأدبية، منها: هل يكتب المؤلف وفي ذهنه الفوز بإحدى تلك الجوائز؟ أو هل يكتب وفق أمزجة وتوجه تلك الهيئة التي تقدم الجائزة الفلانية؟
الكاتب البرتغالي خوسيه ساراماجو، يقدم إجابة صادقة عن تلك التساؤلات، فبعد الإعلان عن فوزه بجائزة نوبل في الأدب، تحدث طويلاً خلال مؤتمر صحفي، عن مشاعره حول هذا التكريم، وهل كان ينتظر الفوز بنوبل، فجاء كلامه وكأنه بحد ذاته نص أدبي رفيع بما فيه من دفء وحميمية حيث قال:” أحياناً ينبغي أن أخاطب نفسي قائلاً: ” لا تنس أنهم أعطوك جائزة”. وهذه هي وضعية شخص مضطهد، إذ إني عشت أيامي، يوماً بيوم، في لحظتها وساعتها وعملها ومسؤوليتها، كما هي حال العالم كله تقريباً، الذي يولد ويعيش وينمو ويعمل إلى أن تصل اللحظة التي يرحل فيها من دون أن يترك شيئاً. وكان من الممكن أن يحدث هذا، وخاصة لأني ولدت في كنف عائلة لم تملك شيئاً. واشتريت أول كتبي وعمري 18 عاماً، وبالتالي كان يمكن أن يصوب كل شيء في حياتي إلى أي شيء، لكن ليس إلى جائزة نوبل. إن المرء لا يولد من أجل جائزة نوبل، مثلما لا يولد لهذا أو ذاك، مع أن هناك ملايين من الناس يولدون وهم يعرفون من أجل ماذا يولدون: من أجل البؤس.. وكان من الممكن أن يكون هذا حالي، لأني ولدت في قرية مضطهدة وفي عائلة من الرعاة ولا أذكر أن أحداً آخر من عائلتي كان يعرف القراءة. وما أتذكره هو أني قلت و أنا في الـ 17 من عمري: “كان يعجبني أن أكون كاتباً”.
لكن لم يعطني أحد في تلك اللحظة أي ضمان بأن هذا كان من الممكن أن يحدث? ولكنه حدث. وجرى بعكس ما هي خرافة عصرية، أي إن المرء يدخل في الشيخوخة بدءاً من الـ 35 عاماً. وربما من الجدير ذكره أن فيردي لحّن الـ”السعيد” عن عمر يناهز التسعين عاماً، و أنا حصلت على جائزة نوبل وعمري 76 سنة. إذاً إصنع معروفاً ولا تزدرِ الكبار؛ لأن لديهم خبرة كبيرة وعملوا كثيراً وعانوا و أحسوا وتأملوا كثيراً، وفي الأثناء التي لا يصل فيها الزهايمر إلينا سنواصل العمل.”
الجوائز فعل جميل لكنها غير كافية، وفي أحيان تذهب لمن يرى أنها تتنافى مع مبادئه فيرفضها، تماماً كما حدث في قصة الأديب الفرنسي جان بول، الذي منح جائزة نوبل في الأدب عام 1964 ، لكنه رفض استلامها، فأعيد المبلغ إلى مؤسسة جائزة نوبل، ثم برر هذا الرفض قائلاً: ” إن رفضي استلام الجائزة ليس فعلاً مرتجلاً، و إنما بسبب أنني رفضت دائماً التشريفات الرسمية… وهذه الفكرة تنبع من تصوري لمهمة الكاتب… ذلك أن كل ألوان التميزات التي يمكن أن يقبلها الكاتب تعرض قرّاءه لضغط أراه غير مرغوب فيه.”
التصنيف:
