القضاء لغة : اتمام الشيء والأجل او فض الخصومة او اصدار الحكم في المسألة محل النظر وتعني ايضا مجموعة (المحاكم) القائمة التي تقوم بالنظر فيالمنازعات او مجموعة “الاحكام” الصادرة من جهة قضائية.
عرف العرب القضاء وكان احد خطبائهم المشهورين وحكامهم المعروفين “الذي وضع القاعدة القضائية” البيئة على من ادعى واليمين “القسم” على من انكر.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم واموالهم ولكن البينة على من ادعى واليمين على من انكر.
علق النووي: هذا الحديث قاعدة كبرى من قواعد احكام الشرع ففيه : انه لا يقبل قول الانسان فيما يدعيه بمجرد دعواه سيحتاج الى بينة او تصديق المدعي عليه فان طلب يمين المدعى عليه فله ذلك.
وسمى القسم يميناً لان العرب كانت اذا تحالفت ضرب كل امرئ منهم على يمين صاحبه او انهم كانوا يتماسحون بايمانهم فيتحالفون لذلك اطلق على (القسم، اليمين ، وانثوا اليمين) على تأنيث (اليد) فقالوا: يمينا برة، ويمينا فاجرة.
وقد ذكر (اليمين) القسم في شعر زهير اذ قال:
وان الحق مقطعه ثلاث
يمين أو نفار أو جلاء
فاليمين : القسم.
والنفار : المنافرة الى الحكام للفصل واظهار الحق.
والجلاء : البينة التي تجلو الشك والشبهة فتغني عن اليمين وعن التحاكم.
جاء في البيان والتبيين: ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يردد البيت السابق في الاسلام متعجبا من علم (زهير) بالحقوق وتفصيله بينها واقامته اقسامها.
وروى البخاري في باب القسامة: ان رجلا يسمى (خداش بن عبدالله بن قيس العامري) استأجر رجلا يسمى من بني هاشم فانطلق (الاجير) في ابله الى الشام.
وفي الطريق مر رجل من بني هاشم قد انقطعت جوالقه..
فقال للاجير : اغثني بعقال اشد به عروة جوالقي، فأعطاه عقالا فشد به جوالقه فلما نزلوا عقلت (الابل) الا بعيراً واحداً!
فقال الذي استأجر : ما بال هذا البعير لم يعقل من بين الابل؟
قال الاجير : ليس له عقال!
قال فأين عقاله؟
فحذقه بعصا كان فيها أجله فمر به رجل من اهل اليمن فقال له اتشهد الموسم!
قال: ما اشهد .. وربما شهدته!
قال : هل انت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟
قال : نعم
قال: اذا شهدت الموسم فناد يالقريش .. فاذا اجابوك فناد يا بني هاشم .. فاذا اجابوك، فاسأل عن ابي طالب فأخبره ان فلانا قتلني في عقال ثم مات!
فلما قدم الذي استأجره اتاه ابو طالب فقال له: ما فعل صاحبنا؟
قال : مرض فاحسنت القيام عليه وتوليت دفنه.
قال ابو طالب: قد كان اهل ذلك منك فمكث حينا ثم ان الرجل الذي حمل الرسالة وافي الموسم فنادي حتى اذا جاء ابا طالب اخبره بالقصة وخداش ما يزال في البيت فقام اليه رجال من بني هاشم فضربوه!
وقالوا : قتلت صاحبنا فجمد واتاه ابو طالب فقال له : اختر احدى ثلاث:
ان شئت ان تؤدي مائة من الابل فانك قتلت صاحبنا وان شئت حلف خمسون من قومك انك لم تقتل فان ابيت قتلناك به.
فاتى خداش قومه فقالوا: نحلف لكن رجلا جاء ابا طالب فقال : اردت خمسين رجلا يحلفوا مكان مائة من الابل فيصيب كل رجل منهم بعيران.. هذان بعيران فاقبلها مني ولا تصير يميني .. وجاء آخر فقال : مقالته ثم حلف ثمانية واربعون.
قال ابن عباس : فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية والاربعين عين تطرف فقد هلكوا جميعا!
هذه القضية مظهر من مظاهر حماية الانفس والحفاظ على الحقوق فلا يذهب دم القتيل هدراً قبل الاسلام.
اخرج مسلم والنسائي : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية.
ويحفظ التاريخ قبل الاسلام ان (قيس بن شيبة) باع متاعاً على (ابي بن خلف) فلواه ، وذهب بحقه فاستجار برجل من بني جمح فلم يجره فقال : قيس:يا لقصى كيف هذا في الحرم.
وحرمة البيت واخلاقه الكرم
اظلم لا يمنع عني من ظلم
فأجابه العباس بن مرداس:
ان كان جارك لم تنفعك ذمته
وقد شربت بكأس الذل انفاسا
فأت البيوت وكن من اهلها صددا
لا تلق تأديبهم فحشا ولا بأسا
ومن يكن بفناء البيت معتصما
يلق ابن حرب ويلق المرء عباسا
قومي قريش باخلاق مكملة
بالمجد والحزم ما عاشا وما ساسا
فقام ابو سفيان والعباس فردا عليه ما له..
واجتمعت بطون قريش فتحالفوا في دار (عبدالله بن جدعان) على رد المظالم في مكة.
وقد شهد هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن خمسة وعشرين عاما وبعد النبوة قال: لقد شهدت في دار (عبدالله بن جدعان) حلف الفضول ولو دعيت اليه لاجبت .. وما احب ان لي به حمر النعم.
رحب الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحلف لانه تحالف في الحق ضد أي ظالم مهما كان.. ومع أي مظلوم مهما هان.
وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض اصحابه بالقضاء فقد روى انه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً الى اليمن قال له : كيف تقضي ان عرض لك قضاء؟
قال اقضي بكتاب الله
قال : فان لم تجد في كتاب الله؟
قال : فبسنة رسول الله
قال: فان لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟
قال : اجتهد رأيي ولا آلو.
وروى عن عقبة بن عامر قال: جاء خصمان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : رسول الله اقضي بينهما يا عقبة.
قلت : يا رسول اقضي بينهما وانت حاضر؟
قال : اقض بينهما فان اصبت فلك عشر حسنات وان اخطأت فلك حسنة واحدة.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المرجع في كل ما يتصل بالأحكام الشرعية وكل ما تتطلبه الامامة والولاية :حكماً وقضاء وافتاء .
فها حان الوقت لكي لا يحيد القضاء عن المرجع في كل ما يتصل بالاحكام الشرعية حكما وقضاء وإفتاء عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم بعيداً عن المجاملة التي شاعت – بكل أسف – في هذا الزمن!.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *