[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]د.هالة شعت[/COLOR][/ALIGN]

إن الإدارة العامة في أي مجتمع أو منظمة تعمل في ظل قوانين وأنظمة تحدد مهامها وإختصاصاتها وصلاحيتها للنهوض به وتنميته وفق خطط وإستراتيجيات وسياسات تضعها وتلتزم بتنفيذها. ولم يعد كافيا هذا في عالم اليوم. حيث اصبح من الضروري ان تلعب الادارة دورا فاعلا في وضع الخطط والاستيراتيجيات والمشاريع والبرامج ، حيث يكون ليس من المنطقي ان تخالف الإدارة القوانين والانظمة التي اوجدتها بنفسها. فهناك الكثير من الخطط والقواعد والقوانين التى تحمل بطياتها البذور والبيئة الصالحة لنمو الفساد، و بصفه خاصة كثرة الاستثناءات والتجاوزات. ولابد ان تمتد مفاهيم ومعايير الجودة إلى اعداد وصياغة القوانين والقواعد والاجراءات الإدارية والمالية والإقتصادية وكذلك حل المشكلات واتخاذ القرار.
تبدأ رحلة الفساد في النفس عندما يحاول الفرد وضع مصالحه الخاصة غير المشروعة فوق المصلحة العامة او المتطلبات العامة للوظيفة والمنظمة التى يتقاضي أجره منها مقابل خدمتها، وغالبا ماتكون البداية بتقديم بعض التنازلات الطفيفة التى سرعان ما تنمو حتى تتضخم وتتحول الى جزء من حياته على نحو خفي وغير مشروع وهكذا، ويعمل بعد ذلك على تكريس جهده لتطوير أساليب الإستخدام السيء للقواعد والقوانين والسياسات العامة والبحث عن الثغرات القانونية للنفاذ من خلالها.
وهكذا ينمو الفساد مثل الخلايا السرطانية حيث يولد الفساد فساداً آخر، وينشيء شبكة معقدة من الانظمة الفاسدة متعددة المستويات تكون لها ثقافتها الخاصة وأساليبها وأدواتها التى تطورها دائماً لمواجهة الجهود المضادة للفساد. وعلى العكس الامانة تولد أمانة وتعمل على انتشار ثقافتها، وتنافس في مهمة صعبة مع الفساد تتمثل في تشجيع اجراءات مواجهته.
لقد أدي انحلال البناء القيمي وضعف الضوابط الاخلاقية إلى تغليب المصلحة الفردية على المصلحة العامة.وأدي بالتالي إلى الافراط في الفردية مع تنامي سطوة التأثير المادي على الحياة. لقد أدت النظم التي اطلقت على نفسها النظم الثورية إلى التقلبات الإدارية نظراً لتغيب الإطر القانونية التي يمكن أن تساهم في ردع سلوكيات الفساد الإداري، واكتفت بالعمل من خلال القوانين والاجراءات الاستثنائية والتي تمتد لفترات طويلة، وتزامن ذلك مع غياب الاجهزة الرقابية المستقلة و المحايدة الموثوق بها للقيام بمهام الضبط والرقابة والمساءلة بالاضافة إلى اختزال مفهوم الوطنية والانتماء في الولاء للنظام السياسي الموجود بدلاً من الولاء للوطن وقيم المجتمع.
وفي ظل غياب شفافية القوانين حدث اختلال في موازين توزيع الثروة على الافراد، مما جعل المظهر الغالب في الاداء الوظيفي هو ابتكار وسائل الفساد مثل التربح والرشوة والاختلاس من المال العام كمحاولة فردية-غير مشروعة-لإعادة هذا التوازن المفقود.
وقد أدى أيضاً إلى توظيف أساليب الإفساد المالي من قبل اجهزة السلطة الأمنية التى تدعي الثورية بهدف التورط و الاستدراج في ارتكاب المخالفات المالية والقانونية، لإستغلالها عند الزوم في تصفية الحسابات أو الاستبعاد أو الصمت و السكوت والتجاوزات.
إن الأسباب السياسية هي من الأسباب الملازمة لظاهرة الفساد، يمكن القول أن عوامل مختلفة تقف وراء شيوع هذه الظاهرة تتناغم في شدتها ودرجتها طردياً مع تنامي ظاهرة الفساد منها عدم وجود نظام سياسي فعّال يستند إلى مبدأ فصل السلطات وتوزيعها بشكل أنسب أي غياب دولة المؤسسات السياسية والقانونية والدستورية وعند هذا المستوى تظهر حالة غياب الحافز الذاتي لمحاربة الفساد في ظل غياب دولة المؤسسات وسلطة القانون والتشريعات تحت وطأة التهديد بالقتل والاختطاف والتهميش والإقصاء الوظيفي. وهناك عامل آخر يتعلق بمدى ضعف الممارسة الديمقراطية وحرية المشاركة الذي يمكن أن يسهم في تفشي ظاهرة الفساد الإداري والمالي ذلك أن شيوع حالة الاستبداد السياسي والدكتاتورية الذي يسهم بشكل مباشر في تنامي هذه الظاهرة وعندها يفتقد النظام السياسي أو المؤسسة السياسية شرعيتها في السلطة وتصبح قراراتها متسلطة بعيدة عن الشفافية، فضلاً عن حرية نشاط مؤسسات المجتمع المدني.
كما يمكن لظاهرة الفساد أن تأخذ مداها وتبلغ مستوياتها في ظل عدم استقلالية القضاء وهو أمر مرتبط أيضاً بمبدأ الفصل بين السلطات وهو ما يعطي أبعاداً أوسع فعالية للحكومة أو النظام السياسي تتمثل بالحكم الصالح والرشيد، فاستقلالية القضاء مبدأ ضروري وهام يستمد أهميته من وجود سلطة قضائية مستقلة نزيهة تمارس عملها بشكل عادل وتمتلك سلطة رادعة تمارسها على عموم المجتمع دون تمييز. وهنا فأن السلطة الرادعة هذه تعتبر من أهم مقومات عمل السلطة القضائية لتأخذ دورها في إشاعة العدل والمساواة بين أفراد المجتمع.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *