شهوان بن عبد الرحمن الزهراني

الأيام كفيلة بكشف كل مستور وفضح كل مغلق ، – مهما طال الزمن وتعددت الوسائل والأساليب – ولله در الشاعر الذي قال :
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى عن الناس تعلم
الأحداث الأخيرة التي برزت في بعض الأوطان العربية فرضت على الرأي العام الوقوف والتأمل فيما حدث ويحدث ومحاولة الربط بين الماضي بمعطياته وتداعياته وإرهاصاته وبين الحاضر بنتائجه وحقائقه ومكاشفاته، وبسطت تلك الأحداث على كامل الساحة العربية بالذات قضية هامة مؤداها ضرورة إعادة النظر بعمق في كثير من الأمور التي تبدو للرأي العام وكأنها مسلمات لا تقبل العكس ، فمحاولة بعض المتنفذين والمغالطين والنفعيين في تلك الحكومات في إظهار الأمور التي تجري في أوطانهم بأنها تسير نحو الأحسن وأن القادم سيكون أفضل فيظهرون الأمور بصورة غير صورها الفعلية وحقائقها الواقعية ، ومارسوا ذلك ليل نهار فكان الرأي العام يرزح تحت وطأة مغالطات ومفاهيم مغلوطة استطاع المتنفذون أن يخفوا حقيقتها وواقعها ، ولم يتوقف أولئك المتنفذون عن تأكيد وترسيخ ما يتردد من إدعاءات بين حين وآخر بأن ما يجري من الأحداث والوقائع هي في حقيقتها ستعود بالخير على الوطن والمواطن وأنها من أجل العمل لتحقيق مصالح الوطن العليا ، فكان المتلقي يحاول إقناع نفسه بالتفاؤل والتطلع لمستقبل أفضل وأن الوصول إلى هذه الأمور التي يؤكد صحتها الأتباع والمتنفذون تحتاج إلى وقت لتحقيقها فلا بد من الصبر والانتظار فإن غداً لناظره قريب.
هذه الأمور باتت الآن غير مقبولة إطلاقاً لدى الناس في ظل الأحداث الأخيرة ، وما أفرزته من حقائق ووقائع كشفت أن كثير من تلك الإدعاءات التي كانت تتردد في إعلام تلك البلدان مجرد استهلاك إعلامي لمصلحة فئة معينة من الناس يستغلون بها عواطف الذين يعانون من الفقر ويرزحون تحت وطأة البطالة ، ويسترون به الخلل الحادث ، ويغلفون به مظاهر الفساد الإداري والمالي والاستغلال الفاضح للمناصب وتسهيل الاستفادة للأقارب والأصحاب والأحباب ومحاباتهم بذلك على حساب مصلحة العامة ، مما تسبب في تضخيم نسبة البطالة واتساع مساحة الفقر بل أن نسبة كبيرة منهم ترزح تحت خط الفقر ولم ترتفع بعد إلى مستوى خط الفقر .
حينما كان الإعلام في بعض الدول – قبل عقدين أو أكثر من الزمن – يمارس سلب قناعات الناس واختطاف أفكارهم ورؤاهم من خلال أجهزته المرئية والمقروءة والمسموعة والتي يستطيع أن يتحكم ويسيطر عليها بكل قوة ، ويفرض من خلالها أطروحاته ورغباته وفق رؤيته وبما يحقق أهدافه ومصالحه مهما كانت مجافية للواقع وبعيدة عن الحق والصواب. كان الناس آنذاك لا يملكون وسائل أخرى تفضح تلك الممارسة البغيضة وتكشف سوأتها وتهتك سترها ، ولم يكن هناك إلا أداة واحدة يملكها بعض الناس وهم قلة وتلك الوسيلة هي البصيرة النيرة والفكر المستنير القادر على تحليل الواقع وتنزيل الرؤى والطروحات على الأحداث والوقائع الماثلة ووضع المقارنات بمقياس دقيق يفرز الحق من الباطل والصحيح من الخطأ فيكون بمثابة النار التي تخرج الخبث من الحديد، ومن ثم يمكن استنباط الصواب من الخطأ والحق من الباطل. على أن ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يطعن في صحة ما يقال وينشر من خلال ذلك الإعلام الفاسد كثيراً ما يتهم في تفكيره واستنتاجاته ، وأن أقواله مجرد تخرص وتكهن لا وجود لحقيقتها ولا مكان لها، بيد أن معطيات العصر الحديث ومنجزاته التقنية واتساع مساحتها ودقة وسائلها وسرعة انتقالها وقدرتها على اكتشاف ذلك التضليل الذي كان يمارس ضد الناس من المتنفذين والنفعيين وقدرة هذا الجيل في التعامل مع تلك المعطيات فقد سهلت كشف وفضح كل الأمور التي كان يتكتم عليها ذلك الإعلام، بل وساعدت في سرعة انتقال المعلومة وساندت في وضع الطريقة التي يمكن بها استئصال الفساد من جذوره، فالفيسبوك وتويتر من عوامل سرعة الإطاحة بتلك الرؤوس التي مارست التضليل على الناس . فالشباب كانوا يبحثون عن الحقائق والركائز الأساسية التي تنطلق منها تلك الادعاءات ومدى ملامستها للواقع من خلال نتائجها على الأرض وليس مجرد استهلاك إعلامي فقط وتبين أن ما يقال هو تظليل لأن الواقع ينفيه ويكذبه، بل يناقضه ويخالفه.
إن تلك الممارسات والصور غير اللائقة ضد الشعوب لا تخرج بأي حال من الأحوال عن أمرين إما أن يكون الحاكم لا يعلم بما يسير في عرض البلاد وطولها وأن من حوله يغيبون عنه الحقائق، وهذا يدل في حالة وقوعه على أنه أساء اختيار البطانة ومن هنا فإن تعامل السلطة مع المواطن يجب أن تتسم بالوضوح والصدق والشفافية ، كما إن محاسبة البطانة يجب أن تكون بمستوى محاسبة من أجاز أو سكت عن هذا الفساد،لأن الضحية الحقيقية في النهاية هي الوطن.
اللهم أحفظ وطننا وجميع أوطان المسلمين من كل سوء إنك ولي ذلك والقادر عليه

ص.ب 14873 جدة 21434
فاكس : 6534238
[email protected]

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *