السياحة والأمانة والأوقاف والتنسيق

إبراهيم مصطفى شلبي

كانت قرارات الدولة بالمحافظة على التراث العمراني لمناطق المملكة عموماً وجدة خصوصاً قرارات صريحة لا لبس فيها مع استغلال هذه المناطق التاريخية سياحيّاً وتحويل بعضها إلى متاحف وفنادق ومطاعم ومنتزهات وتنمية الإستثمار السياحي لهذه المناطق والسياحة الخارجية على وجه الخصوص وتعتبر مدينة جدة منجماً غنياً كان يحتوي على كنوز من الأبنية الأثرية المميزة لهذه المدينة الموغلة في أعماق التاريخ وقد كانت جدة تضم ما يقارب من ثلاث آلاف بناء أثري وللأسف تقلصت وأصبحت ثلاث مائة بناء قديم في ظل الهجمات الشرسة من المستثمرين الذين يطمعون في مواقع استراتيجية وبالذات في المنطقة القريبة من الساحل ومن المجمعات التجارية الكبرى مستغلين جشع بعض ملاك هذه الأبنية الذين يجهلون قيمتها التاريخية لأنها آلت إليهم بالوراثة من أجدادهم السابقين ولاتحمل لهم أي ذكرى ولا ارتباط حميمي يجعلهم أكثر حفاظاً عليها حتى إدارة الأوقاف بجدة أصيبت بعدوى الإزالة فهي تفرط بين حين وآخر بالأوقاف الأثرية التي وضعت تحت إشرافها فقامت بتسليمها لمستثمر بعينه ليحولها في لمحة بصر إلى هياكل صماء من الخرسانة والحديد ويقوم باستغلالها لعدة عقود مستخرجاً ثمن مادفعه أضعافاً مضاعفة وبعد انتهاء عمرها الإفتراضي يعيدها إلى الأوقاف متهالكة فتسلم إليه أو إلى غيره من المستثمرين ليقوم بترميمها واستغلالها لعقود أخرى من السنوات ولعلي أذكر أثرين تاريخيين مهميين على قيمة عالية من الجمال والإبداع العمراني هما رباط الميمن ورباط البخارية بحارة البحر وقد سلمت إلى هذا المستثمر الذي حولها إلى بناء تجاري مجرد من كل مايمت للفن والإبداع العمراني الإسلامي بصلة وكان يوجد في أحد هاتين البنايتين أثر يعود تاريخه إلى مائة عام مضت وهو كتاب الشيخ الصاوي الموجود برباط البخارية وهو يمثل البدايات الأولى للتعليم في المملكة وكان الأولى على إدارة الأوقاف التنسيق مع الهيئة العليا للسياحة والآثار وأمانة مدينة جدة للنظر في موضوع الإزالة وأسبابها خصوصاً وأن البنائين في حالة جيدة من التماسك وسلامة البناء.
وكان يمكن استغلالهما في مشاريع سياحية كمتحفين أو فندقين وما إلى ذلك وإذا فرضنا جدلياً أنه لابد من الإزالة فلماذا لاتضع الأمانة وهيئة الآثارتصورات لكيفية البناء ومظهره العام وكيفية استغلاله بالشكل الصحيح وأمامنا معلم معماري فريد في جدة كان يمكن محاكاته وتعميمه على كافة مايزال من الأبنية الأثرية بدواعي السلامة خوفاً من انهياره والمعلم الذي أعنيه هو مبرة عبدالرؤوف خليل الخيرية الواقعة شمال مستشفى باقدو بحي الفيصلية بجدة إنه معلم في غاية الجمال والإبداع ويوحي بالألفة ويؤكد عظمة التراث المعماري الإسلامي وقد رأيت أن السياح الأجانب وقد انبهروا به يلتقطون الصور التذكارية أمامه رغم حداثة عهده انبهاراً بروعته ولهذا أجد لزاماً أن يعمم هذا التصميم أو ما يشابهه على كل أحيائنا التي تستلزم الضرورة القصوى إزالة بعض أبنيتها بدوافع السلامة وأن تقوم الأمانة بوضع اشتراطات معينة كتخصيص جزء من هذا المبنى كمصلى للنساء والرجال بالإضافة إلى صالة صغيرة يجتمع بها سكان الحي وتكون كمقر لأبناء الحارة الواحدة مع مكان مخصص مثلاً لتحفيظ القرآن الكريم وغيرها من الأنشطة ويمكن تعميم ذلك على المساجد الأثرية التي يعاد بناؤها ونحن لا ننكر جهود إدارة تطوير المنطقة التاريخية بجدة التي يقف خلفها الدكتور عدنان عدس والعاملون معه فهو يعمل بجدِ وإخلاص في إظهار جدة التاريخية على أحسن الوجوه وإن كانت هناك من معوقات منها تشابك الصلاحيات بين إدارته وإدارة الآثار والمتاحف بالأمانة الأمر الذي يعيق هذا التطوير.
وإنني أدعو من هذا المنطلق إلى إنشاء هيئة عليا لتطوير المنطقة التاريخية ويكون من ضمن أعضائها مندوبين عن الهيئة العليا للسياحة وأمانة جدة وإدارة الأوقاف أسوة باللجنة العليا لتطوير مدينة الرياض وإن مدينة جدة التاريخية ليست في حاجة إلى مهندسين يعملون بالقلم والمسطرة والفرجال إنها في حاجة إلى مهندسين مبدعين يمسكون بالريشة وعلبة الألوان ويتمتعون بخيال خصب وأفق واسع وأفكار مبدعة وعشق لتراث وطنهم ومدينتهم.
وقفة
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه
إذا كنت تبني وغيرك يهدم

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *