الدراسات المستقبلية ليست ترفا فكريا

[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]علي بشار أغوان [/COLOR][/ALIGN]

من أبرز الإسهامات المنهجية التي قدمتها المدرسة الأمريكية في مجال البحوث المستقبلية أسلوب \”دلفي Delphi Method» الذي يمثل رؤية عصرية للدّور الذي كان يقوم به كهنة معبد دلفي في الحضارة اليونانية القديمة بالنسبة للتكهن بالمستقبل، وقد أصبح هذا الأسلوب لصيقًا بالدراسات المستقبلية، وخصوصا أن استحداثاته المتنوعة فى إطار هذه الدراسات قد أعطى عائدًا خصبًا فى مجال التنبؤات التكنولوجية والاجتماعية.
بعد أن كانت الدراسات المستقبلية في بداية ظهورها بصورتها العلمية والأكاديمية ليست بذات أهمية كبيرة ولا يُعوّل عليها كثيرًا، خصوصا أن هذا النوع من الدراسات لم يلقَ القبول والاهتمام الواسع من قبل بعض المختصين؛ لاعتبارهم أن مثل هكذا نوع من الدراسات يُعدُّ مضيعةً للوقت ولا يجدي نفعًا، ولكن بعدما تطوَّرت المجتمعات وتطوَّر معها حاجات هذه المجتمعات ووصول التكنولوجيا إلى جميع أنحاء العالم، ولم يُعد هذا التطور محصورًا على فئة معينة من دول العالم بعد تقليص الفجوة وانكماشها ما بين عالم الشمال المتطور وعالم الجنوب النامي والذي هو بأمسّ الحاجة للدراسات المستقبلية لكي يتمكّن من اللحاق بالعالم المتطور.
إن الدراسات المستقبليّة باتت من الأولويات المهمة والتي تُعوّل عليها الشّعوب والدول المتقدمة كافة، بمعنى أنها صارت ضرورة ملحّة من ضرورات التقدم والتطوّر والنهوض، والتي لا يمكن الاستغناء عنها إذا ما أرادت دولة مّا أن ترسم وتختطّ لنفسها مسارًا نحو تحقيق الحياة الأمثل لمجتمعها، حيث لم تعد الدراسات المستقبلية مجالاً من مجالات الترف الفكري أو الرفاهية الثقافية أو التسلية الذهنية في الدول المتقدمة وحدها، بل إنها انتقلت إلى الدول كافة على اختلاف حظوظها من التقدم أو التخلف، ومن الغنى أو الفقر، كما أنها وإن كانت تستلزم بالضرورة قدرًا من الإبداع و الخيال والقدرة الذاتية على التصور المسبق لما هو غير موجود أو غير معروف الآن من خلال ممازجة هذه القدرات الفطرية التي يمتلكها البعض، والتي يكتسبها البعض الاخر مع العلم والتكنولوجيا والحداثة لكي تساعد على تشكيل مجتمع عصري منظم، فما يطلق عليه اليوم \”الدراسات المستقبلية\” إنما يتمثّل على العموم فى دراسات جادّة تقوم على مناهج بحث وأدوات درس وفحص مقننة أو شبه مقننة، وتحظى بقدر عالٍ من الاحترام في الأوساط العلميّة، وتنهض بها معاهد ومراكز بحثية وجمعيات علمية ذات سمعة راقية. ومثل هذا التصور هو ما يجب أن يتم الانتباه إليه، لا سيما من زاوية التعامل معه بدقة منهجية وانفتاح عقلي ورؤية سليمة لا تتعارض والثوابت، وفي الوقت نفسه لا تهمل المستجدات التي يشهدها العالم وما تحتاجه هذه العملية من إدامة مستمرة وتغذية عكسية للمعلومات والتي تضفي عليها الطابع العلمي والتجريدي.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *