التعليم .. والخصخصة
نبيه بن مراد العطرجي
أول التكاليف التي أُمِرَ بها خير الخلق التعلم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يعْلَمْ} فكانت بذلك الرسالة الأولى للمسلمين هي البحث عن المعرفة وتدبر أمورها منذ اليوم الأول لظهور الإسلام، وفي هذا دليل على وجوب التعليم {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} وانطلاقاً من مبدأ هاتين الآيتين الكريمتين اهتم المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود تغمده الله بواسع رحمته بالتعليم إيماناً منه بأن التنمية بعد توحيد البلاد لا تتم بدون التعليم، فسعى رحمه الله تعالى إلى نشر المدارس في المدن والقرى والهجر، وسار على نهجه بعد رحيله أبناؤه البررة فواصلوا المسيرة في محو الأمية حتى أصبح اليوم للتعليم بصمات واضحة في خريطة المملكة، وقد كلف ذلك الدولة مليارات الريالات، والتعليم يتجاوز تأثيره الفرد متلقي التعليم إلى المجتمع بأسره، إما بالنهوض والتقدم إذا سارت العملية التعليمية سيراً صحيحاً، وإما تخلفاً وتدهوراً إذا سارت الأمور على نحو مخالف، ذلك أن قدرة وكفاءة الأفراد والكوادر التي تمثل ركائز ودعائم المجتمع تحدد كفاءتها وفقاً لمدى سلامة العملية التعليمية، فإما أن تكون تلك الدعائم قوية وسليمة فيكون المجتمع بخير، وإما أن تكون تلك الدعائم ضعيفة فنكون أشبه بمن أقام بنيانه على الرمل، واليوم مع الاتساع العمراني في جميع أرجاء الوطن الغالي، وارتفاع العدد السكاني أصبحت خصخصة التعليم أمرا واجبا.
آن الأوان أن تأخذ عمليات تطوير التعليم الخصخصة بعين الاعتبار مع دعم الدولة وبالطريقة التي تصرفها على الطالب في المدرسة الحكومية وما زاد على ذلك يدفعه الطالب ذاته – وهو ما تسعى إليه وزارة التربية والتعليم إيماناً منها بذلك لما لهذه الخطوة من فوائد جمة يعلمها أهل الاختصاص، فالخصخصة تسعى إلى الرُقي بالمنهج التعليمي.
وقد أثبت القطاع الخاص جدارته في تحسين نوعية المخرجات في القطاعات التي تمت خصخصتها، وفي تلبية حاجات المجتمع من القوى العاملة المدربة المؤهلة، وبالتالي تراعي المؤسسات التعليمية الخاصة حاجات المتعلم واهتماماته، والنظام التعليمي المتبع في المدارس الخاصة يختلف اختلافاً جذريّاً عن النظام المتبع في التعليم الحكومي، ورغم تشابه المقررات الدراسية بين النظامين إلا أنها تختلف من ناحية الأداء، والطريقة المتبعة في إيصال المعلومات، فهي أكثر ايجابية في المدارس الخاصة عنها في المدارس الحكومية، والخصخصة التعليمية تعتبر أحد العوامل التي تحث الطلبة على الجد والاجتهاد والاهتمام بالتحصيل العلمي نتيجة تحملهم جزءًا من تكاليف دراستهم السنوية خلال المرحلة الدراسية التي يرغبون فيها في الحصول على شهادتها، شريطة أن تكون تلك المؤسسات الأهلية التعليمية خاضعة للرقابة المباشرة من قبل وزارة التربية والتعليم، ورسوم الدراسة بها معقولة يستطيع توفيرها رب الأسرة، مع الأخذ في الاعتبار أن كل أسرة مضى على تكوينها أكثر من عشرة أعوام لديها ابنان في المراحل الدراسية كحد أدنى، وفي مقابل ذلك لا يمنع من أن تكمل وزارة التربية والتعليم مسيرتها التعليمية التي أنشئت من أجلها، إذ إن هناك عوائل لا تستطيع إلحاق أبنائها بالمدارس الأهلية نتيجة قلة الدخل المادي لرب الأسرة، وما يعانيه من تحمل التزامات ماليه أخرى.
همسة: عقول كل قوم على قَدْرِ زمانهم.
ومن أصدق من الله قيلاً: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
التصنيف:
