التأرجح بين السعادة والحزن

إن أجمل الأشياء وأحلاها هي التي تحيط بنا ونمر عليها يومياً وتملأ نفوسنا بالبهجة هي أشياء مجانية مثل الابتسامة والحب ونسيم الهواء، وأن أي شجرة نرى لها فروعا كثيرة وأوراقا وارفة الظلال وأكيد لها جذور عميقة تمتد تحت الأرض ، وأن أنفس أنواع اللؤلؤ موجود في أعماق البحار وأما الصدفات الفارغة فإنها تنتشر على الشاطئ وهي بمتناول اليد.

وأن الوجه الصبوح المبتسم يدل أن في داخله قلبا متفائلا صبوحا أيضاً وأن البشر عموماً عندما يحبون تنهار كل قوانين البشرية وتحل محلها القوانين الإلهية فتنقلب المتناقضات ليصبح للعطاء فرح وللتضحية سعادة وللانتظار لذة ، وعندما نعجز عن تقديم الأشياء للآخرين فيكفي أن نقابلهم بابتسامة وتفاؤل وأمل.

ومن الطبيعي أن الإنسان هو من يبني سعادته بإرادته وشعوره وإدراكه بيديه وأن الإحساس بالبهجة داخلي ينعكس على كل شيء بالخارج وأن كل بهجة خارجية كالبرق سرعان مايختفي بريقها.

بينما أحد الحكماء يسير في طريق سفر يبحث فيه عن الحقيقة رأى وردة تقف على غصنها الباسق وتتمايل مع نسيمات الهواء وكأنها تتراقص طرباً وسعادة ألوانها وحركتها وعطرها تمنح الرائي أجمل المناظر …وقف هذا الحكيم متأملاً هذه الوردة الجميلة المنغمسة في طين الأرض وحولها من قذارات الحيوانات والحشرات الميتة فدار حوار بينه وبين الوردة سائلاً إياها بتعجب :

كيف تطيقين الحياة وأنت بهذه النظافة والجمال وسط القاذورات والطين ؟ فقالت الوردة : إنني نظيفة رغم ماتراه من حولي من طين وأشياء أخرى لاتسر الناظرين ورغم ذلك فأنا جميلة وغصني نقي من الداخل وأوراقي سليمة وإن الحكمة من وجودي في هذا المكان أن أجعله يبدو أجمل مادمت أعيش على هذا الطين فمنه غذائي فأنا منسجمة مع هذه البيئة من حولي ورغم قذارتها كما ترى لكنني آخذ منها غذائي وماء شربي بعد أن أقوم بتصفيته وعندما كنت بذرة صغيرة لاتكاد ترى بالعين المجردة استعنت بكل هذه الكائنات من حولي وكان غذائي منها حتى أصبحت بفضلهم بهذا الجمال ووجودي بينهم يمنحني هذه السعادة التي تراها بادية علي .

إن الإنسان المؤمن الذي اطمأن قلبه بذكر الله : (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) يرقص قلبه طرباً لمجرد أنه يعيش على هذه الأرض بغضّ النظر عن مستوى حالته المادية غنياً كان أوفقيراً يمتلك بيتاً وسيارة أو مستأجرا …المؤمن يأكل ماتيسر له من رزق أو طعام ويشكر الله ولايتبطر على النعمة وينام هنيئاً ولو كان على بساط …

لأن الأولويات بقرارة نفسه هو جوهره الداخلي والمحافظة عليه وتطوير قدرته على الحب لأقصى طاقة ممكنة يستطيع أن يصلها وإلى أبعد نطاق في هذا الكون الواسع ، لأن الحب هو اللقاح الأمثل لقتل فايروس الحقد والكراهية …

والإنسان المؤمن ينشر طاقة هائلة من المحبة أينما ذهب أو حلَّ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ” المؤمن كالغيث أينما حلَّ نفع ” .

بل ويكون إيجابياً عملياً يزرع في قلوب الآخرين العطف والرحمة بعيداً عن زيف ونفاق ومظاهر وحسابات الربح والخسارة ..إنه يتكلم من منطق الخير والجمال ليوقظه من سباته العميق بداخل النفوس المتعبة الخائفة ليخرجه إلى سطح الشعور وليحررهم من ربق الكآبة والحزن والوهم الذي كانوا يعيشونه.

المؤمن يهدف إلى خلق السعادة في حياة الآخرين فيجعلهم يشعّون سروراً بحضوره ويزدادون بهجة بوجوده …إنه كالغيث نفعه كبير وطلباته بسيطة لدرجة أن الناس لايشعرون بوجوده وليس له شهرة في المجتمع.
هذا المؤمن هو دائم المراقبة لقلبه ليمسح عنه الأحزان والأحقاد كل ليلة قبل أن ينام.

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *