في مثل هذا الشهر ( يناير ) من عام 2012م ، قرأت مقالة شيقة للدكتور سليمان العسكري رئيس تحرير مجلة العربي الكويتية السابق بعنوان ” البحث عن مدن المعرفة العربية ” افتتح بها عدد المجلة ليناير ، أشار فيها لمدينة ( راغوزا ) الساحلية والواقعة على ساحل البحر الأدرياتي في الفترة التاريخية ما بين القرنين 14و15 الميلادية كنموذج للمدينة العصرية السبّاقة لزمنها ، وذلك على لسان أحد المهتمين بتأريخ هذه المدينة يدعى ( ليف إدفنسون ) ، حيث كتب الأخير عن حالة الاستقرار السياسي والمجتمعي في ( راغوزا ) لفترة زمنية طويلة جداً مقارنة مع نظيراتها من المدن والدول المجاورة لها آنذاك ، يقول لقد استمرت هذه المدينة لعدة قرون بلا توترات داخلية أو خلافات سياسية رغم محيطها الإقليمي المضطرب جراء الحملات البحرية المتكررة لأساطيل الدولة العثمانية باتجاه السواحل الجنوبية للقارة الأوربية المطلة على بحر المتوسط وبعض الجزر المتاخمة لها وقتها والعكس ، إلا أن ذلك لم يكن مؤثراً إطلاقاً على الأوضاع الداخلية لمدينة ( راغوزا ) التي كانت حاضرة في قلب تلك التجاذبات الإقليمية ما يدعو للدهشة حقاً .. ما سر هذا الاستقرار الذي دام لخمسة قرون متتالية وما سر تمتعها بالاستقلال كل هذه المدة عن القوى المحيطة بها وبالتحديد الإمبراطورية العثمانية ؟ ثم استطرد ( ادفنسون ) حديثه بأن ( راغوزا ) علاوة على كل ما سبق كانت تتمتع بمستويات معيشية مرتفعة ، جنباً إلي جنب مع تنامي مستويات الصحة والتعليم والأمن ، ما جعلها مقصداً لمعظم طالبي العلوم والمعرفة من شتى البلدان المجاورة بما فيها الدولة العثمانية التي دخلت معها في اتفاقية عسكرية طويلة الأمد تتعهد بموجبه حماية أمن واستقلال ( راغوزا ) مقابل تعهد الأخيرة بتزويد الإمبراطورية بمنتجاتها الصناعية وبضائعها التجارية وخبراتها العلمية والطبية ، وفيما يبدو كما يقول ( إدفنسون ) أن الطبقة الحاكمة لهذه المدينة الصغيرة كانت أذكى مما كان معتاداً في ذلك الوقت ، حيث كانت تستغل أنصاف الفرص السياسية لبناء علاقاتها الدبلوماسية مع كافة المدن المتوسطية بدليل أنها في منتصف القرن 18 ميلادي وصل عدد سفرائها لأكثر من 60 سفيراً مع أنها لم تكن تمتلك جيشاً عسكرياً تقارع به جيوش الدول والمدن المجاورة ، الجيش الوحيد لها كما وصف ( ادفنسون ) هو دبلوماسيتها الفذة وتعليمها المتقدم وتجارتها المنفتحة ، هذا ما استطاعت به النأي بنفسها عن أتون الحرب وويلاتها لأكثر من 5 قرون قبل أن يدخلها نابليون بجيوشه مطلع القرن 19 ميلادي ليحيل كل شيء فيها إلي خراب .
على أية حال .. يهمني مما سبق أن أعرض لك أهم النتائج التي توصلت إليها دراسة ( ليف إدفنسون ) وطلابه عن هذه المدينة قياساً بالزمن الذي كانت فيه ، والتي سماها عوامل استدامة ( راغوزا ) وهي :
” الذكاء الاجتماعي ، الأمن الاستراتيجي المنظم ، القوة الدبلوماسية ،روح المدينة ، التماسك الاجتماعي ، التنوع بفضل الهجرات ، ثراء الحياة الثقافية ،تعدد اللغات ، البيئة العلمية ،التقاليد المعرفية ، الموقع ،الوضع السياسي الجيد ، البنية التحتية الجيدة ” .
هذه العوامل أترككم معها لتتأملوها.. لعلكم تجدون فيها الإجابة على هذا السؤال.. مالذي ينقص دول المنطقة العربية وهي التي تعيش في القرن الواحد والعشرين لتكون في أمن واستقرار ( راغوزا ) على الأقل؟
لكن تذكروا قبل الإجابة أن ( راغوزا) كانت بلا جيش وكانت تعيش في القرن 14 الميلادي.

[email protected]
twitter: @ad_alshihri

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *