[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]محمود شيخ عيسى[/COLOR][/ALIGN]

يحلو للكثيرين أن يُسبغوا على الناس ما شاءت أحكامهم الجاهزة غير الناضجة من نعوت، يتوجهون بها إلى الناس القريبين منهم والبعيدين على حدّ سواء،
وإذا قمنا بإلقاء نظرة فاحصة على هذه النعوت، فلن نحتاج لبذل قدر كبير من الجهد لنكتشف أنها تندرج في إطار ما يمكن أن نسميها أحكاماً مطلقة قطعية..‏
والمؤلم في الموضوع أنّ مخترعي النعوت يصرّون إصراراً مريباً على أنّ الصواب لا يبتعد عنها قيد أنملة، وهي أحكام غير قابلة للنقاش، فكأنها جثث هامدة أطبق القبر عليها وليس هناك من مجال للتفكير في إعادة نبش هذا القبر، أو حتى الاقتراب منه ولو لمسافة بعيدة.‏
وهنا تصبح القائمة مكتنزة بذلك البحر الزاخر من النعوت والصفات،فهذا.. مرتش.. وهذا.. تافه! وذاك مثقفٌ مأجور.. وهذا لا يفقه شيئاً.. وتلك تحمل مورثات غريبة من الجهل، وهكذا تتسع القائمة رحيبة المساحة إلى ما لا نهاية..!!..‏
فكأنهم هنا بعد أن عجزوا عن العثور على من يفوّضهم لإطلاق تلك الأحكام غير الموضوعية، لم يجدوا أمامهم إلاّ تنصيب أنفسهم وإطلاق أيديهم في تحديد الصفات لكُلّ فردٍ يعرفونه أو لا يعرفونه فهم ملائكة والباقون لا علاقة لهم بأخلاق ولا يحملون أي صفة حميدة.. مع أنه في الغالب يكون الذين تطلق عليهم الأحكام أناساً يملكون من الصفات النبيلة ما يُضرب بها المثل.. بصدقهم وإخلاصهم ومعرفتهم وعلاقاتهم الاجتماعية الجيدة.. والآثار الطيبة التي يخلفونها من خلال تعاملهم مع الأوساط التي يعيشون فيها..‏
الأحكام المطلقة آفة.. والمزعج في موضوع التعامل معها أنّ فيروساتها تملك القدرة على التحوّل من شكل إلى آخر بسرعة رهيبة، الأمر الذي يتيح لها المجال الحيويّ كي تؤثر سلباً على مجتمعنا..، ولتصبح يوماً بعد يوم مزرعة خصبة لنشر العلاقات الاجتماعية المريضة، لما تزرعه من وساوس عند أناس قد لا يعرفون الناس الذين يتصفون بالصفات السيئة.. فيعاملونهم على أساسها.. وهذا أمر طبيعيّ أنك تقرر نمط التعامل مع هذا أو ذاك بناءً على المعلومات المتوفرة بين يديك.‏
ناهيك عن المعاناة القاسية التي يعانيها ذلك الفرد الذي يُطلق الحكم السيئ تجاهه عندما يرى كل النظرات من حوله وهو لا يعرف لماذا؟ وحتّى المجرم الذي تُنسب إليه جريمة ما يصل به اليأس إلى حدّ تمنّي ارتكاب الجريمة فعلاً كي لا يشعر بالظلم الواقع عليه، وحسبه ملاحقة الناس له بالنظرات المُدينة الُمتّهمة.‏
ولو كان الأمر يقف عند هذه الدرجة، لكان التعامل معه أيسر، لأن الأمور تخرج من نطاق السيطرة، فتقود صاحب القرار إلى اتخاذ قرار بصرف النظر عن الشخص الذي وقع الاختيار عليه لشغل منصب ما، نتيجة الوشايات التي انهالت من كلّ حدب وصوب على صاحب القرار، وجعلته يتبنى رأياً مغايراً لرأيه الجديد في الشخص الذي اختاره، والانقلاب المفاجئ سببه رياح الصفات اللاموضوعية والحاقدة الحاسدة التي عرضت خدماتها على صاحب القرار في تقييم ذلك الشخص المختار.‏
وقد يؤدّي هذا العمل إلى حرمان شخص ذي علم وفير وسمعة طيبة من إفادة الوطن وأبنائه من خدماته التي يمكن أن يقدّمها من خلال الموقع الذي سيشغله.‏
من هنا نستطيع أن نفهم لماذا تسري الإشاعات القويّة بقرب تعيين شخص ما في موقع حسّاس، ثم سرعان ما تخمد تلك الإشاعات، والسبب هو أنّ ( أولاد الحلال) لم يقصّروا من قريب ولا من بعيد في تفصيل صفات من خيالهم خلعوها عليه، ليبدو في نظر صاحب القرار شيطاناً رجيماً، بعد أن كان قبل أن ينشطوا في ميدان الافتراء والدسّ عليه ملاكاً قويماً !..‏
أرأيتم مدى تأثير أولئك النمّامين الذين لا يشتغلون إلاّ على جبهة الافتئات على الآخرين، والحكمة تقتضي قطع الطريق عليهم، من خلال عدم الإصغاء إليهم، ومحاسبتهم على كلّ خبر كاذب ينقلونه، ليتنا نفعل ذلك، ولو فعلنا لكانت الرؤية أسلم ومداها الصواب أوضح أمامنا.‏
الثورة السورية

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *