أمراض إدارية قاتلة
[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]الشريف خالد بن هزاع بن زيد [/COLOR][/ALIGN]
من الصعب أن تجد جهة عمل يعاني موظفوها الظلم والتعسف والمحسوبية وتحقق نجاحا لأهدافها وخططها .. وكلما ابتعدت الإدارة عن الأسس الصحيحة لتوفير مناخ عمل سليم ومحفز .. كلما زادت الهوة بينها وبين الأهداف .. وإذا أرادت النجاح من أقصر الطرق عليها ببيئة العمل الإيجابية التي تبدأ بالاستقرار النفسي والوظيفي لمنسوبيها .
هذه قاعدة إدارية معروفة في كل الدنيا .. لكنها لا تزال غائبة عن فكر بعض إداراتنا ومنها الحكومية ، لذلك تكون مشاكلها أكثر صعوبة وتعقيدا .. وقد أسمعني إياها أحد الأصدقاء وسط حضور عدد لا بأس به من أمانة محافظة جدة ..
فقلت له وعلى مسمع منهم إنني تناولت ذلك أكثر من مرة .. وكتبت وقائع أتبعتها صحيفة المدينة بتقرير مفصل عن مخالفات جسيمة على ضوء تقرير فرع ديوان المراقبة العامة بمنطقة مكة المكرمة والتجاوزات المالية وتعيينات على البند الخاص بمرتبات خيالية تفوق الستين ألف ريال شهريا لمستشارين ومناصب قيادية على رأس إدارات بالغة الحساسية ماليا في العقود الاستثمارية والمشتروات ويتولاها غير سعوديين !! وأحدهم يتقاضى فوق المائة ألف ريال من أموال الدولة !!.
لنترك هذا لمن يهمه الأمر .. ونبقى قليلا في صلب موضوعنا وهو بيئة العمل والمخالفات المتعلقة بها .. فما نعرفه أن العمل بالحكومة يعتمد فيه الدوام على التوقيع ، لكن عندما تترك الجهة الحكومية مهامها الأساسية في علاج قصور مرافقها وخدماتها على أرض الواقع في مدينة كبرى كجدة مثلا .. وتتفرغ في وقتها وجهدها وخططها لمحاربة الموظفين باسم التطوير الإداري وتحديث البيت من الداخل .. وتجعل ذلك كل همها ومبلغ علمها .. فهذا ما يستحق نظرة تأمل ويجعل الواحد في حالة تعجب وأمام علامة استفهام كبرى ؟!.
مهلا سأشرح ذلك ، فالواقع الذي يثير العجب أن تتفرغ الإدارة لترتيب الأوضاع الإدارية .. فتخرج من خطة لتدخل في أخرى وتحت مسميات ضخمة براقة يطلق عليها استراتيجيات ولا عشر استراتيجيات حتى تاريخه .. وهل رأيتم تطويرا إداريا يأخذ سنة وداخل في الثانية .. ناس تروح وناس تأتي .. ومديرون يتعينوا ومستشارون يتغيروا .. وأموال باهظة تهدر .. والبيت لا يزال جاري ترتيبه وكأنه اختراع لم يحدث من قبل .. بينما الدنيا مقلوبة وكوارث تحدث جراء قصور الخدمات .
عموما هذا جانب من المشكلة .. أما الجانب الآخر والأخطر بعد الهدر المالي فهو تصنيف الموظفين ، فالشرائح الأغلب يدخلون بالكارت الممغنط وتحت المراقبة والحرس وكأن الجهة المدنية الخدمية تحولت إلى ثكنة عسكرية .. أما شريحة أهل الثقة والمحسوبية فلهم باب آخر ويأتي الواحد منهم متى شاء ويغادر متى أراد ولا حسيب ولا رقيب ولا حسومات من الراتب .. فجعلوا أنفسهم فوق الأنظمة التي يرونها لغيرهم ممن يعملون .. فأصبح التطوير الإداري موجة يركبها هواة التنظير ويأكلون منه البقلاوة والبسكويت ولا أحلى .
قبل أيام تلقيت رسائل عدة بالبريد الإلكتروني تعقيبا على ما سبق نشره عن مخالفات وتجاوزات وأوكازيون الرواتب والمكافآت على البند الخاص فيها محسوبيات خطيرة معظمها لغير السعوديين ، وأرفق قارئنا المسكين أرقاما ولا في الأحلام نوما ولا خيال اليقظة .. فقلت له صبرا .. والمثل يقول \”ما طار طير وارتفع .. إلا كما طار وقع\” وإن للظلم نهاية لأنه ساعة والحق إلى قيام الساعة.
ألم يحن الوقت لتصحيح أخطاء كهذه تجعل موظفين مواطنين خارج الاستقرار الوظيفي .. فكيف (كما تقول الرسالة) يحسم على موظف يوم كامل لتأخير خمسة دقائق ليجد راتبه آخر الشهر وقد أصابه الهزال وناقص ألف ريال .. طيب هو فيه كام ألف وهو بعدد أصابع اليد الواحدة أو يزيد قليلا ، بينما أبو ستين وأبو مائة ألف ريال على راحته ويزيد عليهم بدل سكن فيلا وخلافه .. ويتعمد تهميش المرؤوسين السعوديين .
السؤال الذي يتردد : كيف يحدث ذلك في جهة حكومية ؟.. ولمصلحة من ؟.. وعلى حساب من ؟.. وماذا تنتظرون من موظف مطحون على نظام الخدمة المدنية ويفترض أنه في أمان وظيفي؟.. بينما أصحاب البند الخاص الواحد منهم يصرفوه بعشرة موظفين سعوديين .
أعتقد أن الحكاية وراءها شيء وسيناريوهات خفية باسم التطوير اسمها (التطفيش) ليستقيل من لا يستطيعون إقالته ، وهؤلاء ينتظرون من يحميهم من غول التسلط والإرهاب الإداري الذي يفسد للنجاح الإداري كل قضية .
نقطة نظام : \” إذا دعتك قدرتك إلى ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك\” .
التصنيف:
