ملامح صبح

محمد مهاوش يقرأ نص(إفلاس) للشاعر ردة السفياني

رؤية: محمد مهاوش الظفيري

للطائف نكهة خاصة , ولشعرائها الشعبيين عبق فريد , فهم لا يمتلكون زمام الشاعرية فحسب , ولا يكتفون بكتابة القصائد المميزة فقط , بل يمتلكون ما هو أقوى من كل ذلك , يمتلكون اللغة الشعرية الساحرة , اللغة الشعرية الآسرة , اللغة التي تجعل البحور النبطية الثقيلة عليّ كشمالي قادم من سهول وأودية حفر الباطن لقراءة نص شعري لشاعر من جبال الطائف أمر عسير , لكن اللغة التي ينتهجها ردة السفياني تجعل العسير يسيرًا , وتحوّل الصخور الصلبة إلى لبنات لينة , وتكوّن الجبال الشاهقات إلى صحاري رملية واسعة شاسعة , وأودية يتدفق من خلالها الودق وينهمر من تفاصيلها الكلام .ردة السفياني ليس بشاعر اعتيادي , ولا يفلح معه قارئ اعتيادي , فقصيدته ثقيلة الطابع بما تحتويه من عمق فلسفي وتحليل رؤوي , وما تكتنزه كلماتها من دلالات شعرية بعيدة المنال ,

ومهما قلت أو سأقول عن تجربة ردة السفياني , فإنني لن أقول عنه أفضل مما قال الناقد صالح النعاشي عن هذه التجربة الشعرية الفريدة ” أحد أجمل شعراء الطائف , وصاحب تجربة ناضجة جدًّا , تمنح القارئ وجبة دسمة من الشعر , وما وراء الشعر ، شاعر قدم نفسه كوجه مشرّف للتجربة الحديثة في النص التقليدي , فهو يقدم القصيدة الحداثية داخل قالب القصيدة التقليدية بإحترافية مذهلة “, هكذا هو ردة باختصار كشاعر.أن يقرأ المرء لشاعر بحجم ردة السفياني عليه التسلح بمضادات فنية تقيه خوف التعثر ,

لذا عليه الاعتماد على القبض على أدوات اللغة , والغوص في عالم الخيال , لأن مثل هذه التجربة غنية ثرية , لا تقدم نصوصًا شعرية ملساء صلبة لا تمكن مخالب الكلام من التثبت بها , لغة شعرية تفتح آفاقًا قصية في عالم الكلمة والشعر . ما يمتاز به شعر ردة السفياني , ولاسيما في قصيدته(افلاس)حيث أنه يقدم الحداثة بثوب القديم , ويعرض التجديد من بوابة القصيدة التناظرية, ومثل هذه الأمور لا تكون إلا في حالات ضيقة , والسفياني أحد هذه الحالات , فلا غرو أن السفياني ردة يمثل معادلة شعرية صعبة في زمن استسهل الجميع فيه صناعة الشعر .

إن ما يساعدني عن الكتابة عن شعر ردة هو ردة نفسه , لأن النص المبدع قادر على إنتاج مائة نص مبدع كما يقول عزرا باوند , فما بال رجل مثلي يقرأ لردة منذ سنوات خلت , حينما كنا نفرح بالتقاط القصاصات التي نجد فيها نوادر نصوص من نفرح بقراءتهم من الشعراء.في قصيدة ” إفلاس ” يتجلى بوضوح معنى العطاء , واللا إفلاس , تتكشف قدرة شعرية ومهارة شاعرية تخترق المستحيل لتحيل منه ممكنًا , وشيئًا متاحًا , ففي هذا النص الذي يضيق به العنوان ” إفلاس ” تتسع فيه مجالات الرؤية إلى ما لا نهاية .

هذا القلـم والـورق هـذا وهـذا نـزف الاحسـاس
وانا علـى شرفـة الليـل الحزيـن انطـرك تاتـي

الليـل كنـه سجيـن وكــن هالعينـيـن حــراس
والنجـم احسـه يقاسمـنـي جنـونـي وامنيـاتـي

القلم والورق عالما الشاعر , في الوقت الذي يمثلان النجم والليل ملاذ العاشق الساهر المعذب , فالشاعر عاشق , عاشق للكلمة , لكن الاثنين ينصهران في واحد لتذوب الفوارق بين الشاعر / العاشق من خلال ” علـى شرفـة الليـل الحزيـن انطـرك تاتـي ” . ومن يتأمل في شكل الورق وانبساط الليل يكتشف بوجود علاقة طردية بين الاثنين , فالليل المتسع المترامي يمثل مكمن الأسرار , في الوقت الذي تمثل فيه الورقة المنبسطة الممتدة مخزن الأشعار . كما أن القلم الذي ينقش الحروف بين سطور الورق ألآشبه بالنجوم المقابلة للحروف المتناثرة في فضاء الليل الواسع . الشاعر يكتب بالقلم على الورق , والعاشق يتأمل النجم في حلكات الليل . هذا الفضاء الرؤوي الواسع الممتد في شاعرية ردة السفياني يزداد اتساعًا كلما يتوغل القارئ المتبصر في سبر أعماق هذه التجربة .

في الجفن ناسٍ تجي وتروح .. شف عاد انت كم ناس!
لكـن ماغيـرك ابجفنـي ولاغيـرك فــي ذاتــي
تعال أحبك تكـون افـوسوسـات الصـدر وسـواس
وتسيح في البال .. واغوى بك وتغـوى بـك دواتـي

أحب أسولف عن الما والظمـا فـي غربـة الكـاس
وأحـب أغنـي بحـزن امـي وابـوي وذكريـاتـي
أحب أكـون القلـم والغيـم حبـري والمـدى يـاس
واكتب عليه انـي أول مـن عصـاه وجيـت عاتـي

تعبت أخيـط انكسـاري وابتسـم والعـرق دسًّـاس
واتعبني اكثـر جهاتـي حيـن تسقـط مـن جهاتـي

لا أريد أن أتحدث عن الانزياح في قوله ” وتسيح في البال ” أو التناص في ” والعـرق دسًّـاس ” أو في قوله : ” فالبقيـه فـي حياتـي ” كما سيمر معنا بالمقطع التالي , لن أتحدث عن ذلك رغم أهمية طرق مثل هذه الجوانب , لكن أريد استنطاق عالم الرؤى من خلال بوابة اللغة , عالم الرؤى الذي يتفجر لغة وإيحاءات دلالية ,في هذا المقطع يفتح لنا السفياني عوالم لغته الشعرية التي ازدحمت باستعارات متعددة ” أسولف عن الما والظمـا – غربـة الكـاس – أخيـط انكسـاري ” أو التشابيه البليغة العميقة التي اجتمعت في هذا الشطر ” أحب أكـون القلـم والغيـم حبـري والمـدى يـاس ” والتي هي في الأساس ” أحب أكـون مثل القلـم – والغيـم مثل حبـري – والمـدى مثل يـاس ” لكن لغة الشاعرة المجبولة على ضغط الكلام وصهر العبارات الشعرية تجيد فن حذف الزوائد , وتقنين العبارات , وتتفنن في ” فلترة ” الكلام لانشغال الشاعر بصهر الجمل وطبخ الصيغ التعبيرية الشعرية لتخرج ناضجة حية لا تشوبها شائبة .

أحاول أحصد غيـاث الجـدب وازرع روح وانفـاس
في صوتي اللي ليـا هالحيـن ضايـع فـي شفاتـي
لا الصيف وفىّ ولانوم الشتـا فـي طرفـي نعـاس
يعـنـي كتبـنـي ورتبـنـي ووحـدنـي شتـاتـي

هزيـت جـذع الثلاثيـن وتساقـط عمـري افـلاس
واللي بقي (لا إله الا انـت عفـوك) فـي صلاتـي
تعال .. هذي دموعـي تحتفـل وجروحـي اعـراس
وان مـات دمعـي وجرحـي فالبقيـه فـي حياتـي

تعال .. ابستحلفك واستخلفك فـي الصـدر نسنـاس
وإن كان ماجيت فـي صحـوي لقيتـك فـي سباتـي
تعال هاك القلم ..هاك الورق .. هات انت الاحسـاس
وارسم يدينـي ورعشتهـا علـى مقبـض عصاتـي

يتواصل استرسال الشاعر في عرضه للصيغ التعبيرية التي تتزاحم فيها الرؤى الشعرية , إنه يحرث في صحراء اللغة بمناجل الكلمات ” أحاول أحصد غيـاث الجـدب وازرع روح وانفـاس ” من أجل استكشاف صوته ” اللي ليـا هالحيـن ضايـع فـي شفاتـي ” , لهذا ينهمر المعين , وتنساب الكلمات الموحية بالحركة والتوثب واستدعاء عوالم المجهول ” كتبـنـي ورتبـنـي ووحـدنـي- هزيـت ” وعبارة ” تعال ” التي تكررت ثلاث مرات في مواضع مختلفة .هذا الاستدعاء , هو استدعاء عكسي لطبيعة حال عنوان النص ” إفلاس ” , وهو في حقيقة الأمر يوضح حالة الشاعر النفسية , بأن مرارة الفقد محفز قوي لاستطار عوالم المجهول من خلف ستائر العدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *