رؤية – صالح الصخري
تعد الرؤية الشعرية في قصيدة الشاعر رعد الشلال فلكاً تدور حوله القصيدة بكل دلالاتها وبنياتها ،ومن خلالها يعبر عن نهجه الابداعي لتكثيف معجمه الشعري ،فهو يعمد إلى أساليب متعددة ،كالتجريد والتمثيل وغيرها الكثير،ليكوّن خطاباً شعرياً عميقاً يستطيع من خلاله النفاذ إلى احساس المتلقي ومخيلته، والتشكيل في قصيدته بنية لسانية تجسد رؤيته وتتشكل برغبتها ومشيئتها.لقد استطاع الشلال تكوين رؤيته وطريقته الخاصة ،فهو شاعر نخبويٌ بامتياز،ولكي تقرأ نصوصه عليك ان تشرع باب الاحساس والتفكير في آنٍ معا, ومن هنا تشكلت الصورة عنده بكل جماليتها وخصوصيتها ،يقول:
افضحي حبك وخطي وإشطبــــــي
وإكتبيني ســطر وإقــريني كتــــاب
أروع أنــواع الفضيحـــه بـمذهبــي
لو فضح سر المطر قلب السحــــاب
كوني طفله مــدلــلــه باللي تبــي
والطفل يهوى يتعبث بالخــــراب
شــقــي أوراق القصيدة وإسكـبــي
حـبرها وإتعلمــي رفــض الجــواب
صور متلاحقة ،مترابطة ،(افضحي حبك،خطي،اشطبي،اكتبيني سطر،اقريني كتاب) كلها أتت بافعال أمر،لا استغرب ذلك فالعاشق يطلب من معشوقته احيانا ان تظهر جنونها ،فصيغة الأمر هنا أتت دلالة على الرجاء وليس الامر.ان الصورة في نصه عالم خفي عليك ان تلج الى دواخله وردهاته ودهاليزه وتتموقع لاستكناه اسرار الابداع فيه،ويستكمل رحلة الصورة (لو فضح سر المطر قلب السحــــاب) فهي تتحرك في قصيدته ،فتارة تكون صورة ملائكية وتارة مشاغبة،( كوني طفله مــدلــلــه باللي تبــي) صورة بريئة (والطفل يهوى يتعبث بالخــــراب،شــقــي أوراق القصيده وإسكـبــي،حـبرها وإتعلمــي رفــض الجــواب) صور تظهر العبث الجميل والذي يروق لي ان اسميه تدليل المعشوقة من قبل عاشقها.
يقول :
آخر رمق كان اللقا يلفظ نفس آخر
وكانت وسط منجم صغير وحارسه ظلعي
الصورة هنا واضحة فالشاعر اطلق العنان لمخيلة القارئ لتشكلها حسب رؤيتها،في الشطر الأول صورة متخيلة وعليك ان تلج لدواخلها ،اما في شطرها الثاني فهي صورة تفتح باب التشكيل الخيالي من حيث(منجم صغير) ما هو المنجم الصغير؟؟..بالتأكيد الاجابة ستكون :القلب ،(حارسه ظلعي) هي تكملة الصورة التي أتت بشكلها البهي والرائع .وفي بيت آخر يقول:
بعيونها الليل ومعه مسحة فجر ساحر
سال الضباب ودمعها الشمع استفز دمعي
(عيونها الليل) دلالة واضحة الا أن ما أثبت لي ان النص كيان مستقل في رؤية الشاعر رعد الشلال هي (مسحة فجر ساحر) .لقد عاد إلى ربط هذه الصورة بالبيت الاول (آخر رمق) الفجر أتى بعد آخر رمق ،صورة مبتكرة لا تتكرر عند اي شاعر وفي شطر البيت الثاني تتحدث وكأنها امامك،بل انك تستطيع ان تلامسها (سال الضباب) ،(دمعها الشمع استفز دمعي) صورة اخرى مرتبطة بسابقتها:
ولما يجيني طيفها من موطن مهاجر
أستقبله بأحزان تشتيتي فرح جمعي
في هذا الشطر يقتل الشلال اللهفة لدينا بحزن جلي،ولكنه ليس اي حزن،انه حزن النبلاء،(لما يجيني طيفها من موطن مهاجر) الموطن يهاجر في قصيدته:نعم يهاجر في قلب صاحبه وها هو في الشطر الثاني يصور هذه الصورة سينمائيا (أستقبله بأحزان تشتيتي فرح جمعي)..لقد استخدم الشاعر البعد البوليفوني في نصه اضافة الى المشهد التخييلي بين الضباب والدمع والليل والفجر الخ…
حيث يحافظ على مستويات حضور العنوان في النص من حيث مستوى البنية ومسوغات التأويل ،فلطالما يكتب هذا الرجل تنبثق دلالات جديدة ،وصور بكر, وقصيدته تتمتع بلغة شعرية عالية، لتغدو (بنيةً منزاحةً) ليس فحسب عن اللغة الاستعمالية، وإنّما عن اللغة الشعرية السّائدة،وهذا ما منحه التفوق الذي يستحق.
فعند قراءة قصيدته تلج مخيلة القارئ إلى عالم الفكر والفلسفة والادب، وعندما يقرأ المتلقي قصيدة كقصيدته (هيكل) تترآى في مخيلته المشاهدة والتخيل والأدراك في القراءة والخيال بين سارتر ودوفرين ،أو التحول في نصوص الشاعر الى الشيء الملموس كما عند انكاردن وآيسر.
فقصيدته تراوح بين الرمز المغلق والرمز المفتوح ،وما ذلك الا تأكيدا على ثقافته الواسعة جدا ،
فلا استغرب حين يقول الشلال:
ما شالني عقب القلم كف شيال
عقب القلم ثلثين الأصحاب تمثيل
بيدي قلم يوم أنتخي ينسل جبال
وقفة قلم عندي بمواقف رجاجيل
