إن الصورة التي تظهر في ذهن الكثيرين عندما تتحدث عن التنمية تكون عبارة عن مجموعة من العمارات الشاهقة والكباري والمصانع، أي الجانب الاقتصادي، لكن التنمية أشمل من الاقتصاد؛ إذ عرفتها هيئة الأمم المتحدة عام 1956 بأنها (العمليات التي بمقتضاها توجه الجهود لكل من الأهالي والحكومة بتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحلية لمساعدتها على الاندماج في حياة الأمم والإسهام في تقدمها بأفضل ما يمكن)؛ إذًا فمن خلال تعريف التنمية يتضح لنا ما تعانيه الأمة من إشكالات تنموية.
وهذا الذي أقوله ليس سرًا أفصح عنه؛ بل هو الحقيقة التي يوافق عليها الجميع حكومات ونخب مثقفة وكل من له اهتمام بالشأن العام؛ فالجميع يدرك أن التنمية بمعناها الشامل هي الهدف وليس هذه الرتوش العمرانية التي يجب أن تتبع تنمية الفرد لا أن تسبقه.
لكن، ما علاقة التنمية الشاملة بالبنية الفكرية؟ علينا أولاً تعريف البنية الفكرية لندرك العلاقة بينهما. أرى أن البنية الفكرية هي عبارة عن مجموعة من التصورات والرؤى التي من خلالها نصدر أحكامًا على ما حولنا ونقرر كيفيه التعامل معه وفق قواعد مبرمجة في العقل الجمعي للأمة الواحدة.
ولتوضيح العلاقة بين التنمية الشاملة والبنية الفكرية أود أن أضرب مثالاً لن يكون هذا المثال هو أوروبا بين عصر التنوير وما سبقه من عصور الانحطاط؛ فقد مللنا من تكرار هذا المثل، لكني سأضرب مثلًا أعظم وأشمل وأكثر تأثيرًا في نفوسنا؛ إنه مثال السلام. فالجميع يعلم ما كان يعانيه العرب من انحطاط وتختلف تنموي مقارنة بغيرهم من الأمم التي شقت طريقها في التفوق سواء العسكري أو العمراني أو الثقافي.
فلما جاء الإسلام لم يبدأ بطرق مواضيع التنمية بل كان جل اهتمامه منصبًا على جانب الفكر والاعتقاد، وهذا يتضح جليًا من خلال قراءة السور المكية؛ فمن مميزاتها أنها كانت تتكلم عن جانب العقائد ولم تتطرق لجوانب التشريع كثيرًا، فلما استقر الأمر للإسلام وتمكنت عقائده من السيطرة على البنية الفكرية للمجتمع واكتملت الحلقة بهجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بدأ جانب التنمية فنزلت سور التشريع، ووضع صلى الله عليه وسلم دستور المدينة ونظم الحياة الاقتصادية وأرسل الجيوش وبعث الرسل ونظم أمور الدولة، وبدأت النهضة والتنمية الشاملة؛ ليشهد العالم أجمل وأقوى حضارة بشرية. أما اليوم، فإن العقل العربي يضج بإشكالات متعددة ترسبت فيه منذ عقود خلت.
حيث يرى البعض أن بنية هذا الفكر بدأت منذ عصر التدوين؛ وبالتالي فنحن بحاجة إلى نقد هذا العقل من خلال نقد ذلك الموروث بينما، يرى آخرون أنها تكونت خلال العصر الجاهلي، وآخرون يرون أنها تكونت في العصر الأموي أو ما بعد مقتل عثمان رضي الله عنه.
لكنني أرى أن هذه البنية قد تأثرت بكل الحقب سلبًا وإيجابًا وإن كانت حقبة ما قبل الإسلام أقل الحقب تأثيرًا فيها، فإن حقبة ما بعد مقتل عثمان من أكثر الحقب تأثيرًا بالإضافة لما لحق هذه البنية من أتربة عصور الانحطاط التي مازال بسببها يعاني العقل العربي إلى اليوم من ضبابية في الرؤيا أثرت على كيفية تعامله مع المتغيرات.
إنني في هذا المقال لا أدعي إيجاد حل معضلة كهذه فمثل هذه المعضلات هي بحاجة إلى نخب متميزة في مجالات متعددة شرعية وفكرية وسياسة واقتصادية وغيرها تنتظم تحت مراكز بحثية تفرز أبحاثًا قد تتباين وقد تتوافق، لكن مع مرور الزمن لابد أن تخرج بما يفيد في تنقية العقل العربي مما قد أصابه.
همسة
حاولت ألا أدخل في المقال أي مصطلحات فلسفية لتصل الفكرة كاملة إلى القارئ فخلاصة ما أردت قوله: إن تنمية الفكر هي أول خطوات التنمية الشاملة.
زيد المنديلي
