يُحكى أن..
في جدة القديمة.. الليل يرخي سدوله.. كل في بيته.. لا تسمع غير أصوات الحمير تدر على بعضها.. من عزلة الى عزلة اخرى.. وكلاب الاحياء تصدر اصواتها المتقطعة.. القطط في حركات بهلوانية.. تتحاكى وتتعارك.. الديوك ترفع اصواتها مؤذنة.. البوم يزور “الطبرمة” فوق اسطح المنازل بين وقت وآخر.. هذه الاصوات الحيوانية التي تعود عليها الجميع.. فلا استنكار منها.. ولا قدرة على اسكاتها..
كل يمارس هويته.. وينهق.. وينبح.. يموء.. ينعق.. ويصيح..
فوانيس البلدية.. بضوئها الخافت المتباعد.. وبين الفوانيس “اتريك” وهذا يكفي بالكاد لاضاءة الطريق.. والعسس تتردد صفاراتهم بين الفينة والاخرى.. لاثبات وجودهم..
هكذا تمر الليالي.. تزامنها الافراح.. او الاتراح.. او الاعياد والمناسبات.. كلها استقرار وامان.. سكينة وطمأنينة.. محبة واخاء..
في هذه الاجواء من هذه القديمة.. يجتمع بعض الشباب.. يتسامرون في بعض المقاعد في البيوت.. يلعبون “الضومنة.. أو البلوت.. أو الكيرم”.. أو الاحاديث.
كل ليلة يمر من امامهم “احد تجار جدة القدامى” في وقت محدد.. بعد صلاة العشاء.. يسير في خط مستقيم.. متجهاً الى بيته.. تبدو عليه سمات الوقار والعلم.. والجدية.. والصلاح..
لا يُلقي عليهم السلام.. بل ربما لم يشعر بوجودهم.. ولا يأبه بما هو فيه..
استنكر الشباب على “صاحبنا” لماذا لا يحييهم بالسلام؟.. اتفقوا على حملة تجعله يختار.. اما الاعتراف بهم.. او تغيير طريقه الى بيته عنهم..
عندما حان وقت قدومه.. اخذ احدهم “وكان لونه اسمر داكن” دهن نفسه زيتاً وارتدى لباساً اسوداً يطاق لونه.. وضع سيجارتين في فتحتي انفه.. وسيجارتين أخريين.. كل واحدة منهما في اذن من اذنيه.. ثلاث سجائر في فمه.. انبطح ارضاً اصدر صوتاً ونفخ.. فاضاءت السجائر كلها مرة واحدة في هذه اللحظة التي يمر بها “صاحبنا”.. اصاب “صاحبنا” الذعر.. وخرج عن وقاره واسرع الخطى.. وهو يردد..
“يالطيف.. يالطيف”.. يضع يده على عمامتهز. تاركاً حذاءه “ابو اصبع” خلفه وصل بيته.. لم ينم ليلته..
في صباح اليوم التالي.. كان يحكي الحكاية واصحابه.. وقد عُرف بالصدق والواقعية.. قائلاً:
“عندما كنت صغيراً.. كانوا يقولوا لنا عن “الدجيرة” انها تسكن الاماكن الخاوية.. ولكني رايتها بنفسي يوم امس ليلاً.. عند عودتي الى البيت.. وصفها لهم.. ومكان رؤيته لها”.
سمي ذلك “زقاق الدجيرة” حتى يومنا هذا.. اندثر الزقاق مع الهدميات الجديدة.. يا ترى كم “دُّجيرة” عندنا الآن؟.. وأي “دٌّجيرة”؟
[email protected]
فاكس:6514860

التصنيف:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *