•• عندما تستمع إليه تنثال الى ذاكرتك تلك الصور الجميلة عن ذلك الزمن الأجمل.. فيأخذك سمعك وأنت تستمع إليه كأنه أحد الشيوخ المتقدمين في العمر كأنه قادم من زمن بعيد كان فيه صوت التجربة هو الطاغي بتلك الذكريات التي سكنت ذاكرته منذ أن وعى ما يدور حوله.. فهو لم يمر بتجربته في عالم الطفولة أو الصبا لقد كان من يتحرك في وسطهم من يعتبرون أصحاب خبرة وعلم.. فانصهر في بوتقة أولئك العلماء من الرجال على شتى أنواع علومهم فاكتسب منهم ذلك الحضور – الذهني – مترسماً خطاهم لا يتوقف أمام أي سؤال عن من يقترب منه كل الذي يعنيه قيمته الفكرية وسلوكه القويم الذي هو المحك او الميزان الذي يزنه به وغير ذلك تفاصيل.. فمنذ بزوغه وهو في تلك المدرسة الشامخة – العلوم الشرعية – كان يجد مكانه في باحات المسجد النبوي الشريف في احدى حصواته مستمعاً لأحد أولئك الشيوخ لدروسه في شتى المعارف أو الركون الى احد أولئك القمم الذين كانوا يتخذون من دكة الأغوات مكاناً لهم فكان يصغي لهم في حكمة الكبار التي فهمها وهو في بداية العمر فتلبسته.
•• وإذا كان للنسابة أناس عرفوا باحاطتهم لذلك الفن في علم النسب.. كان هو واحداً من هؤلاء ولكن يمسك عن ذكر ما يسيء الى نسب في ممارسة خلقية دقيقة كان كل ذلك حسبه مما تلقاه من قيم أسرية جعلت منه شاباً يعيش في عصر مضى بكل قيمه وأدبياته. فهو لا يخلط بين ما يشاع وما هو متأكد منه لهذا تراه يمسك صامتاً عندما يطرح البعض ما يشاع من أقوال يكون الغرض منها النيل من آخر.. هو المقصد منه.
إنه صاحب ذاكرة حاضرة وصاحب عين لاقطة تختزن ما تسمع وما ترى فهو بهذه الميزة يكاد يعدد لك كم حجر في شارع فرش الحجر في المدينة المنورة أو كم مسكن في حارة الشامية في مكة المكرمة بكل ما في الحي من شخوص ومن “أزقة” فقط لكونه عاش فترة بسيطة في البلد الحرام وكان قاصاً لتلك الأحياء في قوة وحضور لا يتوفر عند من ولد وشب في تلك الحارات.. فهو ربط نفسه بكل أصناف أهل كل حي فهو يعرف رجالاته ذوي المقامات العالية والتفكير الفريد ولا ينسى أن يلتصق بابن الحارة الذي لا يعرف الألف من الواحد يفعل ذلك في نصاعة لكل هذه المعارف فأنت تراه مع أهل العلم والفعل يقتبس منهم تلك المعارف ويمكن تراه يمارس هواية مشاهدة لعبة المزمار في الشبيكة أو الحسينية شرق مكة المكرمة يستمع باصغاء متفتح لحكايات بعض بطولات “مشاكلة” مكة المكرمة والمدينة المنورة.. وهو القادم من أعرق الجامعات البريطانية فتلك السنوات التي قضاها هناك لم تفصله عن أولئك أصحاب العمائم “الحلبي” في المدينتين المقدستين.. فتسمعه وهو يستعرض لك عن بطولات بعض هؤلاء “المشاكلة” في المدينة المنورة بشكل لا يمكن إلا أن تقتنع بانه كأنه كان واحداً منهم.
إن الدكتور عاصم حمدان هو ذلك الموسوعة المتحركة في عالمنا اليوم بحفظه للتراث دون افتراقه للحداثة بكل بهائها وحضورها. لقد أطلق عليه أحد مثقفي مكة المكرمة أنه يعرف مكة أكثر من كثيرين من أبنائها.
إنه الموسوعة المتحركة
