بتثاقل تفتح جفنيها،صوت الإسعاف و رائحة الأدوية و أصوات ٌ لم تسمعها من قبل.
تحاول أن تتشبث بالوعي وإن كانت لا تشعر بوزن قِواها.
وتستسلم أخيراً لهاوية الألم.
“فايزة”فتاة في السابعة عشر من عمرها
كياسمينة
ميّاسة العود
عذبة الصوت
مموجة الليل
لها عين شيهان
هكذا ظن أهلها بعد صفقة بيعٍ خاسرةٍ .
تزوجت من رجل تجاوز الستين، وله من النساء اثنتان ؛تنتميان لقبيلته ولألسنتهما ذات النتوءات التي على لسانه.
مُذ دخلت حياة ذلك الرجل الذي جفّت فيه كل أوردة الحياة إلا وريد التكاثر؛ وهي في ألم و شقاء و شعور بالغبن.
لما ذاع نبأ حملها في القرية لم يكف الجيران و الأقارب عن التحريض عليها و إيذائها ، وقد تولت زوجة أخ جفين كُبر الإيذاء و التحريض؛كانت تدعو زوجتي جفين إلى ضرب فايزة لإسقاط حملها حتى لا تنال شيئاً من حق إبنائهما بعد عين الزوج الكهل .
في عشية الجمعة يغادر الزوج القرية في رحلته المعتادة للتجارة؛وهي رحلة تمتد لشهر و أكثر -حسب ظروف التجارة- وتتفاجأ فايزة بطرق على الباب و نداء بلهجة المتغطرس المتعالي .
تفتح الباب فتنهال عليها اللكمات و الإهانات من الضرتين ،و زوجة الأخ تبتسم بخبث وتراقب و تترقب لحظة سقوط الـ”أجنبية العايبة أم الحناء”كما يحلو لهن تسميتها.
وتفيق فايزة و قد نزفت دماً و تورم جسدها من الركل ثم تبحث عن الهاتف و تتصل بأختها لتحضر و تأخذها .
تحضر الأخت و الأب وتهولهما تلك الحال المزرية التي كانت عليها .
يأخذانها لأقرب مركز صحي و يتم نقلها بالإسعاف لأقرب مشفى في المحافظة التابعة لها تلك القرية الصماء الشهباء المتناهية جبالها في الارتفاع وكأنها تحجب القرية عن صخب الحياة و نبضها.
بعد أن تتحسن حالتها الصحية تنتقل مع والدها إلى جده و يتصل الوالد ليعاتب الزوج ويطلب لقاءه، إلا أن الزوج لا يكترث و يتطاول بألفاظه ويهدد بالطلاق مالم تعد كما غادرت ، ثم يحذر من عقابه مالم تعتذر من ضرتيها لتطاولها-المزعوم-عليهما ، فهي الجاهلة الطائشة .
تختار الطلاق على العودة لجحيم تلك العائلة الكريهة النتنة بحقدها و فكرها و ذاك الزوج الظالم المظلم.
لكن الأب يرغمها على العودة فهي حبلى وهو لن يستطيع الإنفاق عليها و مَن تحمل فالحال عسيره.
تعود فايزة ظاهرها منكسر و باطنها كاسر.
كظمت غيظها حتى وضعت حملها-وضعت توأم بنين-
خفضت لهما جناحيها و عزمت على إخضاع القرية لهما .
زوجها مريضا لديه مشكلات صحية(ضغط وسكر و صمامات قلب ضعيفه) ،قررت أن تأخذه إلى أقصر الطرق نحو الموت؛كانت قد أكملت مرحلة المتوسط مما أتاح لها القدرة على القراءة و الكتابة بشكل جيد ،قرأت نشرات الأدوية و بدأت تبدل الأدوية و تزيد في الجرعات مما انعكس على صحة الزوج فتردت و أصبح بحاجة لعناية خاصة و استمرت و تمادت في التلاعب حتى ساءت حالته وعزفت عنه زوجاته و استقبلته هي.
أوقفت بعض الأدوية المهمة و استبدلتها بمسكنات آمنة .
تدهورت حالة الزوج و اقترب من الموت ،وبدأت تكتب أوراق تنازل عن أراضٍ و بيوت و تستغل مرضه و تطبع بصمة إبهامه على الأوراق .
أصابته أزمة ولم تخبر أحد ولم تقدم له أي أدوية و كلما تحرك ضميرها قالت: الأعمار بيد الله ، وهو طاعنٌ في السن و لن يعش أكثر مما عاش، والدواء سبب و الشافي هو الله .و تتركه يصارع الموت.
لم تنتظر كثيراً حتى لفظ أنفاسه الأخيرهـ ،فقُطِع أول قيد جعلها رهينة للألم و سبيةً للقهر.
تُقام مراسيم العزاء في القرية وهي قد عادت إلى بيت أبيها لقضاء مدة الحداد.
ومن هناك تحيك مؤامرة لقطع ثاني القيود .
تتواصل مع أخ زوجها فهي أرملة مكسوره و ولديها لهما حق من خير أبوهما ، تبدي له الرزانة و الزهد في الحياة و القناعة منها ، وهي طامعة في “عيد” كزوج يذلل لها صعوبات الحياة و يمهد لها الطريق للانتقام من أولئك النسوة اللائي لا يتركن يوماً يمر من دون رشقها بعبارات الإهانة و بين جملة سخرية و أخرى يمررن لها عبارة”يا النّقاشة”.
و النقّاشة: هي من ترسم نقوش الحناء على الكفين و القدمين.مقابل مبلغ مالي -كما جرت العادة-.
في إحدى المكالمات تشكو له شوقها لخالتها(أم جفين وعيد)وتخبره على استحياء برغبتها في زيارة القرية ليرى ولديها جدتهما و إخوتهما وداراً ضمتها و زوجها .
يرحب عيد بالفكرة و يأتي ليأخذها و أبناءها وتبقى في بيت أم جفين أسبوعاً كانت فيه القائمة على أعمال البيت بكل تفاصيله.وقبل موعد سفرها ولأنها عرفت بأن عيد اعتاد زيارة أمه قبل أن يخلد للنوم تحينت فرصةً صنعت منها صدفةً ليراها عيد بكامل زينتها متخففة من ثيابها وكأنها لم تعلم بوجوده ، وما أن تراه تركض خجلةً حييه.
و في الغد لا تنطق بكلمة أمامه ليشعر بخجلها ، و يبادر بالاعتذار ، فتتصنع الندم و الألم لأنها انكشفت أمامه.
و يأخذها إلى جده و يغادر تاركاً جُلّ فكره و بعض نبضه معها.
بعد وقتٍ غير ببعيد تتصل به تشكو أياها-زوراً- بأنه يلح عليها لتزويجها و ترك أولادها مع جدتهم، وهي لا تطيق صبراً على فراق أبناءها،هنا تلمع صوتها في عينية كبرقٍ مذهل،أنوثة و رقة و لباقةً و عود غض .
يخالها لوهلة تبتسم له ثم يظهر رجل “نكره”ليضع عليها عباءته و يضمها إليه.
يغضب و يرفع صوته و ينهال بعبارات الفخر بنفسه و حميته على أبناء أخيه و زوجه ويطلب منها أن تجهز نفسها و تنبئ أهلها بأنه سيأتي ليتزوجها فهو الأولى بها و بتربية أبناء أخيه.
تغلق الهاتف و تضحك لأنها على وشك كسرالقيد الثاني .
(ستعيشين يا أم محمد مُعلقةً ما بقى لكِ من عمر)
هكذا تقول في نفسها وهي ترى طيف أم محمد:زوجة عيد و التي كانت تحرض النساء على السخرية منها و ضربها.
تبقى أمامها قيدان ؛”زوجتا جفين” وسيكون لهما مصيرًا واحداً ثم تنظر في الميراث .
أي مصير ينتظر ضرتيها؟
هل ستعيش مع عيد في القرية أم تنتقل لجده؟
مامصير أم جفين؟
كلهاتفاصيل تأتيكم في الجزء الثاني من ( نقش حناء)
•••••
الكاتبة إيمان الجريد ” ثراء”
نقش حناء
