فقيد الوطن والدبلوماسية (1-4)
اختزنت صورة الفقيد الأمير سعود الفيصل – رحمه الله – في ذاكرة الناس في هذا الوطن وفي انحاء العالم منذ توليه حقيبة وزارة الخارجية عقب وفاة والده الشهيد الملك فيصل – طيب الله ثراه – وطيلة اربعة عقود مع اربعة ملوك من ابناء الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الميامين وهم الملوك خالد وفهد ثم عبدالله رحمه فالملك سلمان – أدامه الله – مضت كلمح البصر.
وستظل ذكراه خالدة في ذاكرة من عمل معهم – وأنا واحد منهم – بدأت مع التحاقي المبكر بالعمل في وزارة الخارجية كانت فترة خصبة ثرية بمعنى الكلمة ففي المقر الرئيسي في مدينة جدة اختارني معالي الوكيل بالعمل في مكتبه ولكن فضل معالي وكيل الشؤون الاقتصادية والثقافية – آنذاك – بالعمل معه كمشرف على شؤون المنظمات الدولية والمؤتمرات وسكرتيراً خاصاً لشؤون الدراسات والابحاث اذ كان معاليه يحمل ما يصل اليه من تقارير لسبر اغوارها ووضع رأي مناسب حيالها بدأت مع اول تقرير استخباراتي مؤلف من اكثر من الف صفحة في الشأن النفطي والبترولي طلب معاليه ان اخذ الوقت الكافي في تلخيصه وتقديم – ما اراه – فوجئ معاليه ان قدمته اليه في غضون ثلاثة ايام فقط مع الرأي والاضافة المعلوماتية الاحصائية والتعليق الموضوعي فشكرني شكراً لا يزال – يداعب خاطري الى اليوم- لانه لم يتوقع من موظف مستجد في العمل ان يبدع في نقد (تقرير) صادر من دائرة استخباراتية في الولايات المتحدة الامريكية تعني بشؤون النفط في المنطقة العربية والخليجية . احال معاليه التقرير مع الكتابة في اعلى العرض (لسموه) يقصد سمو وزير الخارجية مع اضافة عبارة (انا اؤيد ما تضمنه العرض) أمر سموه بالرفع للمقام السامي مع نسخة لمعالي وزير البترول. كان معاليه يحرص اشد الحرص ان يكتب الاسم الثلاثي في نهاية العرض كاعتراف بحق معد الرأي في اثبات وجوده وشخصيته الفكرية ومن جاء بعده يحرص وضع اسمه الثنائي بخط يده بحرص شديد غير اكثر من خمسين عرضاً في الشأن الاقتصادي المتعلقة بمواقف في قضايا اقليمية وعالمية .استمر معاليه يرسل لي شخصياً وفي مظرف خاص مغلق ما يصله من تقارير طيلة عملي معه حتى تركه الخدمة الحكومية بسبب وفاة اخيه الذي كان يدير اعماله العائلة التجارية في حادث مروري مؤلم. واشعر بالفخر والاعتزاز ان كل ما ابديته من رأي او مقترح يلاقى بالترحيب والتأييد من لدن معالي الوكيل وسمو الوزير نفسه لانني دائماً آخذ في الحسبان ثلاثة مرتكزات اساسية لا احيد عنها قيد انملة واجد لها صدى – لا شعورياً – يدغدغ مشاعري واحاسيسي حينا بعد حين وهي : مكانة هذا الوطن في العالم العربي والعالم الاسلامي مع التركيز على الخصوصية العقدية (الدينية) والمكانة الاقتصادية النفطية مع الحرص على العلاقات الثنائية مع دول الجوار الاقليمي ان يسودها الوئام والمحبة والاخاء ومع باقي الدول البعيدة عن دول الجوار الاقليمي بما في ذلك الهيئات الاقليمية او الدولية (العالمية) البحث دائما عن المصالح المشتركة بعيداً عن الاحلاف والطائفية والتفرقة في المعاملة بين الأفراد او الجماعات وكانت هذه المرتكزات تصاغ على هيئة رأي او اقتراح فكانت تلاقي ترحيباً ودعماً وتشجيعاً حتى كانت صفة (النجابة) تردد على كل ما قدمته طوال فترة عملي وكان من حسن الطالع ان اغلب ما يعرض في مكتب معالي الوكيل للشؤون الاقتصادية والثقافية الذي يمرر على انظار معالي الوكيل للشؤون السياسية حتى يصل الى انظار سمو وزير الخارجية الذي يصدر غالباً توجيهه بالموافقة وطلب الرفع للمقام السامي للتوجيه فيصدر التوجيه السامي الكريم بالموافقة كاقتراح ضرورة العضوية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لهيئة الامم المتحدة اذ لم ننضم الى عضوية المجلس منذ الانضمام الى هيئة الامم المتحدة في حين هناك دول تكررت عضويتها في هذا المجلس اكثر من اربع مرات والعضوية معناها بكل بساطة اكتساب الخبرة في المجلس والتعرف عن كثب والمتابعة للقضايا التي تطرح في كل دورات المجلس الثلاث في العام.
واقتراح ابقاء التبرعات العربية محدودة ورمزية في وكالة الامم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق (الادنى) العربي (الازوا) حتى تستشعر بلدان العالم الغربي بالحاجة المناسبة الى حلها حلاً جذرياً بسرعة عودتهم الى بلادهم فلسطين مع بقاء تبرعاتها في تصاعد وتزايد او اقتراح ضرورة التدقيق في خبرات خبراء برنامج الامم المتحدة الانمائي مع الحد بقدر المستطاع من اعدادهم مع ضرورة الاستفادة من الخبراء الوطنيين او الخبراء العرب الاقرب الى المعرفة الى البيئة المحلية في كل بلد على حدة.. القائمة طويلة. وحينما انتقلت وزارة الخارجية الى مقرها الرئيسي الجديد في مدينة الرياض استقر بي المقام في العمل في الوكالة السياسية اذ اختارني رئيس دائرة المنظمات الدولية والمؤتمرات بالعمل كمدير لمكتبه، فكانت اغلب المعاملات التي تحتاج الى رأيي تحال الى شخصي فكنت ابدي – ما أراه – صائباً مع الالتزام التام بالمرتكزات الاساسية الثلاثة التزاماً اضعها نصب عيني فكانت تلاقي بالترحيب بمن في قمة الهرم الوزاري وعلى وجه الخصوص سمو وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل وهذا ما كان يسعدني كثيراً واشعر بفرحة لا توصف رغم أنف الحاقدين الذين كانوا مصدر ازعاج وبلبلة وغيبة ممقوتة!
وبقيت اجد .. واجتهد لحين ترشيحي من لدن معالي وكيل وزارة الخارجية للشؤون الادارية والمالية الأمير عبدالعزيز بن سلمان الثنيان الذي اختارني شخصياً من ضمن قائمة عليها اربعة اشخاص برئاسة بعثة سفارة خادم الحرمين الشريفين لدى جمهورية غينيا كسفير رغم ان هناك قرار صادر في حركة النقل بنقلي إلى جمهورية تونس كنائب لسفير خادم الحرمين الشريفين هناك.
وبالحاح معالي الوكيل بالذهاب إلى جمهرية غينيا فهي الافضل واستحقها بجدارة – كما اشار الى ذلك – وقد لمس بنفسه مدى التطور والتطوير في إدارة المنظمات الدولية والمؤتمرات ، والجد والاجتهاد في كل ما يوكل من عمل في داخل الوزارة أو التكليف بمهام في خارجها كالمشاركة في اللجان الوطنية مشاركة فعالة وما أبديه من آراء هدفها مصلحة هذا الوطن.
(للحديث صلة).
التصنيف:
