أون لاين الأرشيف

هكذا كانت جدة

لقد كانت جدة تعيش نهارها عمل وجد كل يسعى لرزقه وما يسر الله له.. فلا تنقضي صلاة الصبح وتطلع الشمس من مشرقها إلا وكانت الحركة تدب في أوصالها من الحلقة، إلى النورية، إلى الحراج، إلى المدارس، إلى الدوائر الحكومية والمكاتب التجارية والدكاكين المختلفة.. فأحدهم نجار.. وآخر حداد.. وصائغ.. ومنجد.. ومصلح للأتاريك.. وبائع مفارش.. وبقال.. وعطار.. وفوال.. ومطبق.. ومعصوب.. وتميز.. والجميع بدون استثناء عاملون.. حتى الحلاقين فالبركة في البكور، وسبحان الله الرزاق الكريم يختص قوماً بالبيع والثقة.
وبعد صلاة العشاء.. تهدأ جدة تماماً فالكل في بيته كبيرا وصغيرا.. غنيا وفقيرا.. متعلما وجاهلا.. موظفا وتاجرا.. لا تسمع غير أصوات الكلاب.. ومطاردة القطط لبعضها.. وصوت البوم.. وصفارات العسس بين الفينة والأخرى.. وفانوس البلدية.. تسرح الغنم في أزقتها.. وتعود إلى حظيرتها ليلا.. وكل بيت تقريبا عنده من الغنم.. أما الأبقار فالأحواش تمتلئ بها.. وحليبها يوزع للبيع بعد صلاة الصبح وهكذا.. الكل يمارس حريته.
سكينة وطمأنينة وأمان.. وإيمان يملأ القلوب.. ومحبة ومصاهرة بين الجميع.. لا بغضاء ولا حسد ولا حقد ولا ضغينة.. فالغني يعطي.. والفقير عفيف.. والكلمة الطيبة دائما من علماء المدينة وفقهائها. العملة المستعملة هي الريال الفضة والنصف ريال والربع ريال والقروش والهلل وكان مع كثرة استعمال الريال يمسح.. ولا يقبل إلا بعد التبديل من بنك الأندوشين أو مؤسسة النقد أو الصيارفة.. مع فارق بسيط للتبديل، فالريال كان يساوي 22 قرشا. المصروف المحترم لطفل المدرسة بين ستة هلل أي قرش ونصف وثلاثة قروش،
وبجوار كركون الشرطة الذي لا يرتاده أحد إلا فيما ندر.. برحة صغيرة يجلس فيها ضابط الشرطة وجنوده محدودو العدد.. ومبنى البريد الذي يكتظ عادة لأخذ الطوابع وإرسال الخطابات.. وباب البنط الذي ينشط في موسم الحج (الكرنتينه).. ومبنى البنك العربي وبعده البنقلة وخفر السواحل.. وأمام كركون الشرطة من الناحية الشرقية (غرب المشورة) بازان الماء.. والسقا يحمل تنك الماء من الناحيتين والعصا بينهما ويضعه على كتفه.. لتسقى جدة كلها.. وتسمى الزفة.
(صفحة جدة وأيامنا الحلوة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *