الأرشيف محليات

المملكة .. تاريخ من المواقف لدعم وحدة المسلمين

جدة – البلاد
لقد كانت إسهامات الملك عبدالعزيز – رحمه الله – وأبناؤه البررة في مجال التضامن الإسلامي والدعوة لوحدة المسلمين والتعاون فيما بينهم متميزة ومثالا يحتذى من قبل الدول الإسلامية في أنحاء العالم، وقد أحيت جهودهم الأمل من جديد في تحقيق التضامن الإسلامي بعد أن وقفت الدول الاستعمارية وظروف العالم الإسلامي دون تحقيق الأهداف الكاملة لدعوة جمال الدين الأفغاني ومعاصريه ولا سيما وقد نجح التيار العلماني في فرض طروحاته التي تتعارض مع التعاليم الإسلامية ومع دعوة التضامن الإسلامي، وقد أدى ذلك إلى أن ظن الكثيرون أن الحل الإسلامي لا مستقبل له، ولكن قيام الدولة السعودية ومجيء الملك عبدالعزيز بوجه خاص أحيا هذا الأمل من خلال خطوات مدروسة وعملية وضعت الأسس المكينة لقيام حركة التضامن الإسلامي.
ولأهمية الدور الذي قام به الملك عبدالعزيز وأبناؤه البررة في خدمة التضامن الإسلامي ومحاولة تفعيله وجعله حقيقة واقعة سوف أتحدث عن دور الملك عبدالعزيز بشيء من التفصيل وعن دور الملك فيصل –رحمه الله – وكذلك عن دور خادم الحرمين الشريفين الملك فهد.
الملك عبدالعزيز والتضامن الإسلامي
يعد الملك عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – أحد رواد التضامن الإسلامي البارزين في تاريخ الأمة الإسلامية، وأول رائد للتضامن العربي الإسلامي في العهد السعودي الزاهر.
وتنطلق قناعة الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بالتضامن الإسلامي من قناعته العميقة بأن مصدر عز المسلمين ونجاحهم هو الإسلام والتمسك بتعاليمه الشاملة وتطبيق أحكامه الكاملة، وقد كانت هذه القناعة قد غرست في نفس الملك عبدالعزيز من خلال كونه مسلما واعيا مستقيما ومن خلال تبنيه ودعوته للدعوة السلفية التي بدأها في العصر الحديث الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – بمؤازرة الإمام محمد بن سعود، وقد كانت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب تهدف إلى العودة إلى منابع الإسلام الصافية من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على منهج السلف الصالح رضي الله عنهم، وهذا يعني من جملة ما يعنيه تطبيق الشريعة والحكم بما أنزل الله في القضايا كافة والتعاون بين المسلمين على البر والتقوى وتحرير المسلمين من السيطرة الأجنبية وتحقيق التضامن الإسلامي بين الدول الإسلامية وشعوبها.
وقد كان موقف الملك عبدالعزيز من التضامن الإسلامي والوحدة العربية والإسلامية أمرا معروفا ذكره معظم من أرخ لهذا الملك العظيم – رحمه الله – أو قابله أو اطلع على سيرته وأعماله، يقول المؤرخ شيخ إقبال: \"وكان لتعلقه بالإسلام وتصميمه على أن يقوم بدور حيوي من أجل التضامن الإسلامي من أهم ملامح حياته العملية\"
ويؤكد هذا المعنى المفكر الإسلامي الدكتور محمد فتحي عثمان بقوله: \"كان الملك عبدالعزيز ملتزما بالإسلام عقيدة وشريعة دونما تجزئة طوال حكمه 1319 – 1373هـ / 1902 – 1953م، ولكنه فيما يبدو كان مقتنعا كل الاقتناع أن \"وحدة الأمة\" الإسلامية وتضامنها غاية يمكن أن تتعدد لبلوغها المسالك، ومبدأ يصح أن يتحقق في أشكال وصور متعددة حسبما يوافق صالح المسلمين في الظروف القائمة وواقع العصر في زمن معين.
وهذا الاهتمام بوحدة العرب والمسلمين كان واضحا في سياسة الملك عبدالعزيز حتى لغير العرب والمسلمين، يقول الكاتب الأمريكى إدوارد بكنج: \"إذا بحثنا عن يقظة الشعوب العربية وجب أن نبحث عن شخصية ابن سعود، فهذا الرجل الذي ظهر في الجزيرة العربية – مهبط الوحي – وأخذ ينشر دعوته بين العرب قد أثار في النفوس شيئا من الحركة والنشاط، وأرغم شعوب العرب على الاعتقاد بأنها كانت راقدة وفي وسعها أن تستيقظ، لقد كان صوت ابن سعود في كل الآذان العربية يدوي داعيا العرب إلى الاتحاد والتضامن والتحرر من التسلط الأجنبي. ومع اهتمام الملك عبدالعزيز – رحمه الله – بالتضامن الإسلامي وصحوة المسلمين وتحررهم من النفوذ الأجنبي فإنه لم يهمل العمل على توحيد العرب ؛ لأنه كان يعتقد أن العرب هم قلب الأمة الإسلامية النابض، وإذا نهضوا واتحدوا فإن بقية العالم الإسلامي سيكونون تبعا لهم في ذلك، وذلك لأن الرسول كان عربيا، والقرآن الكريم قمة البيان العربي، وأرض العرب مهبط الرسالات ومبعث الأنبياء وفيها المساجد الثلاثة وقبلة المسلمين، ولها مكانة خاصة في نفوس المسلمين، والقيادة التي تخرج منها أدعى للقبول لدى بقية المسلمين، وقد كان اهتمام الملك عبدالعزيز بوحدة العرب موضع تقدير كثير من مفكري العرب وقادتهم، يقول عصام رفعت: \"كان الملك عبدالعزيز آل سعود في مقدمة العاملين لتوحيد كلمة العرب والساعين لتحقيق الوحدة العربية، ولقد كان تفكيره وعمله تجاه بناء الوحدة العربية متلائما ومنسجما مع الشعور العربي القومي العام.مظاهر التضامن الإسلامي التي قام بها الملك عبدالعزيز لم تكن دعوة الملك عبدالعزيز إلى التضامن الإسلامي دعوة نظرية مجردة بعيدة عن التطبيق العملي، بل كانت سمة بارزة من سمات سياسته وتطبيقاً عملياً لما يقوم به من تصريف أمور الدولة داخليا في المجالات كافة، كما أنها كانت الإطار الذي تتم ضمنه سياسته الخارجية مع الدول العربية والإسلامية.
ويمكن ذكر بعض الأمثلة العملية لما قام به الملك عبدالعزيز في مجال تطبيق التضامن وتحقيقه، وسوف أكتفي بمثالين من إنجازاته الداخلية وآخرين من أعماله الخارجية، وسوف أعرض ذلك باختصار دون حاجة إلى التفصيل والتوثيق؛ لأن هذه الإنجازات مشهورة ومعروفة، فعلى المستوى الداخلي كان أهم إنجازات الملك عبدالعزيز ما يأتي:
1- تطبيق الشريعة الإسلامية: لقد أعلن الملك عبدالعزيز – رحمه الله – في أكثر من مناسبة بأنه سوف يطبق الشريعة الإسلامية في المجالات كافة، وقد أتبع القول بالعمل، وطبقت الشريعة في جميع المعاملات من خلال المحاكم الشرعية والأجهزة الحكومية، وقد نتج عن ذلك استتباب الأمن والشعور بالأمان في كل مكان من المملكة العربية السعودية، ولا سيما فيما يتعلق بالحجاج.
2- تطبيق الشورى: لقد اعتمد الملك عبدالعزيز مبدأ الشورى؛ لأنه مبدأ إسلامي أصيل فرضه الله بقوله – سبحانه وتعالى– : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}، كما مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بقوله –جل وعلا – :{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، هذا بالإضافة إلى أن تطبيق الشورى هو أنسب المناهج التي تتمشى مع شخصية الملك عبدالعزيز وتربيته الإسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *