[ALIGN=LEFT][COLOR=blue]جعفر عمران[/COLOR][/ALIGN]
ارتطام قطرات الماء على سيراميك مجلى المطبخ يحدث صوتاً رتيباً مستمراً لا ينقطع، صوت خفيض لقطرات صغيرة، صوت بمقدار زمن معين مثل تكّات الساعة.
أصبح الصوتُ جزءاً من إيقاع البيت فلم يعد يلتفت إليه، أصبح رتيباً ومعتاداً حتى إن مريم لم تصرّ على زوجها باستدعاء السباك لإصلاحه، صوت يواريه النهار بضجيجه فلا يكاد يُسمع ولا يؤذي أحداً، يخفت ويضعف حضوره مثل نعسان ينطفئ في زاوية.
وحين يكتمل سكون البيت يتطاول الصوت صاخباً متعجرفاً يخطف السمع، فيضطرب السكون، يصل هديره إلى يوسف فيعبث بصمته وهدوئه، يشعر بأن شيئاً ضخماً يستبدّ بالبيت، وعليه أن يتخلص منه أو يقاومه.
اقترب يوسف من مصدر الصوت وقف قريباً منه، شعر بالصوت عالياً، بدأ يحسُّ برذاذ قطرات الماء تلامس وجهه، فألِفَها وابتسم، ضوء بلون برتقالي يأخذ شكل النافذة يسقط من إضاءة الشارع على جزء من دولاب المطبخ، أشعل لمبة صفراء انتشر ضوؤها كاملاً، وقعت عينه على مصدر الصوت، تأمل القطرات تنزل متعاقبة وبمسافات موزونة، تصدر صوتاً مكتوماً، مخنوقاً يتسرب من خرقة تضمّد جرح الأنبوب لتصد تدفّق الماء وتحدّ من جريانه، ولكن الخرقة المستعملة لن تخفف من كمية الألم الذي بدأ يتسرب منه الآن، خرقة بلون تمرةٍ ناضجة، لون يحبه كثيراً، يحب هذا القميص الذي أصبح خرقة بعد أن انتهت صلاحيته جعله قطعتين، لاستخدامه في أعمال البيت، القميص الجميل الذي كان يبدو به أنيقاً ووسيماً، ينشر فيه عطره، فتبعث فيه الرائحةُ الشعورَ بالتفاؤل وأن كل شيء على ما يرام، وأن النجاح سيكون رفيقه في عمله الذي سيقوم به وهو يرتدي هذا القميص، به يكون أكثر خفةً وأكثر قدرة على الابتسام، قميص استقرت عليه نظرات أصدقائه، فانتشى بها واكتملت ابتسامته وحطّت حوله فراشات ملونة، قميص سكنت فيه روائحُهم، وفيه تكتنز أحاديثهم وضحكاتهم، تأمل القميص الذي صار خرقةً وشعر بألمٍ ينفتح واسعاً، يتأمل الخرقة التي تضمد جرح الأنبوب ويتمنى لو تضمد جرحه الآن.
قاص سعودي
