كان ذلك في أواخر الثمانينات الهجرية، كنا مجموعة من الأصدقاء نقطع الطريق – القديم – المدينة المنورة/ جدة، ذلك الطريق الذي ذهب ضحيته العديد من – الناس – لخطورته والتواءاته وزوايا منحنياته.. يومها كنا نجلس في إحدى مقاهي بدر نتناول وجبة من السمك ذي الرائحة الفريدة والمذاق الفريد عندما رأيته رجلاً عجوزاً يحمل بين يديه «لوحاً» من الخشب مليئاً بعلب الحلوى والبسكويت والدخان، أيامها كنا نقدم زاوية اسمها «وجه من الشعب»، فعنّ لي أن يكون هذا الرجل المسن قصير القامة ضيفاً على تلك الزاوية، فرحت «ادردش» معه عن ذكرياته وحياته اليومية، وفجأة سألته عن أيام زمان التي عاشها في احدى القرى الملاصقة «لبدر» عندها انفجر باكياً حيث وضع – اللوح الخشبي – على الأرض ثم رفع إليّ عينين دامعتين فقلت له خيراً إن شاء الله.
أذكر يومها أنه صمت طويلاً ثم قال: رحم الله الملك عبدالعزيز، واردف قائلاً: لقد «خرزها»، وفتح كفه ثم ضمها وذلك دليل على كفها عن ما كانت تقوم به من أعمال، قلت له ماذا تعني – بخرزها –؟ قال: كانت أيدينا «مفلوتة» تعمل ما تريد متى ما أرادت وكيف أرادت، ومن خلال – نهيجه – قال لقد رأيت وأنا شاب سقوط ثلاثة جثث بكى من «قَتَلهُمْ» لأنه لم يجد سلباً يوازي تلك الرصاصات، كان ذلك قبيل هذا العهد الزاهر.. قلت كيف سقطت تلك «الجثث» الثلاث. قال من بعض قاطني الطريق الذين يتربصون بالمارين بالطريق، وكان الثلاثة القتلة من الحجاج.. ألم أقل لك إن «عبدالعزيز» قد «خرز» هذه اليد وجعلها لا تمتد بالغدر على أحد مهما كان هذا الأحد من الضعف ها أنتم تجلسون في هذا المكان، وفي هذا الوقت من الليل دون خوف أو خشية من أحد إنكم في نعمة قد لا يقدرها بعضكم.يومها أدركت أن مقارنة تلك الأيام بما نحياه هذه الأيام لا يمكن أن يكون، تخيل أن الذهاب من المسجد النبوي الشريف إلى مسجد قباء كان يشكل خطورة لمن يقطع تلك المسافة القصيرة.
إن التوقف أمام هذه الحالة فقط يحتاج من المراقب التوقف أمامها طويلاً، وعليه لابد أن نطلق على هذا الزمن بأنه زمن عبدالعزيز وكفى.
علي محمد الحسون
إنه زمن عبد العزيز
