بقلم: نورة العاشور
حقوق الإنسان تلك المعايير الأساسية التي لا يمكن لأي فرد في أي مجتمع أن يعيش بدونها كإنسان يشعر بآدميته.
فلقد كان للإسلام السبق في التنصيص عليها، كل ذلك قبل أن يدلو الغرب بدلوه في هذا المجال، فلم يفاضل في تشريعها بين صغير أو كبير، ولا بين جنس وآخر، فالكل سواء في الحصول عليها، إذ شملت كلاً من المرأة والرجل ولم يستثني منها حتى الطفل الرضيع بل حتى الجنين.
ولقد قال تعالى في محكم كتابه في سورة الإسراء: ( لقد كرمنا بني آدم).
من هذه الآية يتبين لنا السبب الأساسي في سن تلك الحقوق، ألا وهو العيش الكريم للإنسان كما أراد له خالقه.
لكن كيف يحدث ذلك؟
إن المجتمع الذي يحصل أفراده على حقوقهم كاملة يتمتع أفراده بالحرية والكرامة والعدالة والسلام، وعلى النقيض من ذلك تماماً المجتمع الذي لا يتمتع أفراده بتلك الحقوق فهو لا يرى إلا الذل والقهر والهوان.
وحتى يحصل الفرد على تلك الحقوق كاملة دون انتقاص لابد له أن يعيها ليتمكن من المطالبة بها كاملة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إلى أي مدى يعي مجتمعنا بجميع فئاته دون تصنيف صغار وكبار، ذكور وإناث تلك الحقوق؟ وللإجابة على هذا السؤال وبنظرة فاحصة وسريعة إلى الواقع الذي يعيشه مجتمعنا، يمكننا القول: أن ثقافة الحقوق تكاد تكون مغيبة لدينا نحن البالغين من الجنسين، وبالتالي فهي مفقودة لدى أطفالنا، الأمر الذي يقودنا إلى حقيقة لابد من التوقف عندها، ألا وهي أن مجتمعنا بجميع فئاته يفتقد تلك الثقافة.
وإذا ما آمنا أن ثقافة الحقوق من الضروريات المسلم بأهمية شيوعها، في أي مجتمع، بل و في مجتمعنا بالذات، وذلك كضمان للمطالبة بها، وبالتالي الحصول عليها، فما المسلك إلى نشرها؟
يقول أبو القاسم الشابي:
إذا الشــعــب يــومــاً أراد الــحــيــاة
فــلا بــد أن يــســتــجــيــب الــقــدر»
إذن لابد لنا نحن كبالغين أن نجعل من تلك الثقافة هدفاً أساسياً نسعى لتحقيقه، وأما عن نقطة العبور لتحقيق مثل ذاك الهدف فهي البداية بالأطفال، يقول أحد المفكرين: ( الطفل لا يصبح بمرور الوقت إنساناً بل هو إنسان منذ ولادته)، وفي دليل تعليم حقوق الإنسان الذي أعدته منظمة العفو الدولية، جملة مفادها: ( أن أفضل طريقة لفهم حقوق الإنسان هي ممارستها عملياً )، أيضاً حكمة لاتينية تقول: ( من يمارس حقه لا يسيء لأحد ).
من جملة تلك المقولات والحكم يتأكد لنا حتمية البداية بالأطفال.
أما متى نبدأ بتعريفهم بتلك الحقوق وكيف؟ فيمكننا القول: بأن الطفل في السنتين الأوليين من عمره لا يمكن أن يعي مفهوم حقوقه إذ أنه لم يصل لمرحلة التخاطب، وعندما يصل الطفل إلى مرحلة التخاطب سنتين فما فوق يمكننا البدء بتعريفه بها ، وذلك من خلال أنشطة مختلفة يمكن أن نمارسها معه كسرد القصص المناسبة لعمره والتي توضح مفهوم الحقوق بأسلوب سهل شيق ومبسط تجعله يدركها.
أيضاً يمكن تعريفه عليها عن طريق اللعب وخلق العديد من المواقف المختلفة والتي من خلال معايشته لها والمشاركة فيها يدرك معنى الحقوق، كما ويلعب المسرح والشعر دور كبير في هذا المجال، أيضاً يمكن إضافة مادة لتعليم الحقوق كمنهج دراسي أو كنشاط حر للمرحلة العمرية التي تلي مرحلة ما قبل المدرسة.
وفي ما يتعلق بالأسباب التي تدفع للبداية بالأطفال في نشر ثقافة الحقوق يمكن تلخيصها كالآتي:
أولاً: إن الأطفال هم الحلقة الأضعف في المجتمع ولا يمتلكون القدرة على الدفاع عن أنفسهم.
ثانياً: جرت العادة على عدم الأخذ بآراء الأطفال وأفكارهم وكثيراً ما تغيب مشاركاتهم ولا توضع بعين الاعتبار.
وقد يتساءل البعض ألن يقود تعريف الأطفال بتلك الحقوق إلى تمردهم؟
هنا نجيب إن ربط حقوق الأطفال بواجباتهم أثناء تعريفهم بها، سيعرفهم بمالهم وما عليهم، وبالتالي هذا سيرسم لهم حدود وضوابط في تعاملهم مع الآخر أياً كان ذلك الآخر.
علاوة على ذلك سوف تتعزز ثقتهم بأنفسهم ويصبحون قادرين على التعبير عن أفكارهم وآراءهم ومشاعرهم، وبهذا تتكون شخصية الفرد القوية الفاعلة والمسئولة القادرة على المطالبة بحقوقها.
وفي نهاية المطاف لا يسعنا إلا أن نقول إن الأمر الذي سيرسم لنا مجتمع واعي يتمتع بثقافة الحقوق قادر على المطالبة بها هو إيماننا بأهمية تلك الثقافة والسعي لنشرها، نعم قد تصادفنا عقبات وعوائق تعرقل مسيرتنا، وقد تكون خطانا حثيثة وقد تتعثر، ولكن بدل أن نلعن الظلام لا بد لنا من إشعال شمعة، ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة.
