أرشيف صحيفة البلاد

هيفاء .. ونانسي .. والغراب الذي يعشق الحمامة

بخيت طالع الزهراني
1
ذات مرة .. وأنا أمام إحدى الاستراحات على طريق سفر طويل .. رأيت مكتوباً على الجدار الذي كان أمامي هذه الذائقة الرديئة , من الشعر الشعبي , والتي جاءت تقول :
( يا بَسّ ياللي سكانٌ بالزبالة …. ما شفت خلي يوم كبّ القمامة ) ..
وفي مكان آخر لمحت بتقزز هذا البيت :
( البيبسي اللي ” نزرطه ” كل يومي … قطع مصاريني ونشف ضلوعي ) ..
وفي مكان ثالث كنت أتأمل بحنق شديد هذا الشعر الرديء :
( يا ونّتي ونّة غرابٍ تعذب … من يوم شدّت من دياره حمامة ) .
2
ولاشك أن هذه ذائقة كل شاعر مهلهل , بل وكل متلاعب بهذا الموروث الجميل , والعجيب أن شيئا قريباً مما أوردناه أعلاه لو تم عرضه على فئة ممن يقال عنهم اعتباطاً الفنانون والفنانات , من ذوي ” الفيديو كليب ” فإنه ربما سارع بكل شغف الى تبني مثل هذا الشعر الركيك ، وحوله إلى أغنية ” فيديو – كليب ” .. وربما صار لها شنة ورنة , بما يرافقها من رقص عجيب , وتصوير أغرب ، وأضواء مزعجة , ومع حفنة لا بأس بها من الفتيات ذوات الملابس المشدودة .. أو العادية .. وبذلك يتم ادراج مثل هذا الغثاء على أنه قيمة فنية جديدة .. وفتح آخر في الشعر الخفيف ، والغناء اللطيف.
3
ولنا في هذا المقام شواهد حية من الواقع أمثال ( روبي ) .. و( نانسي عجرم ) .. و( هيفاء وهبي ) وبقية قائمة الإغراء .. ولذلك فإنه يتعين في حال افتتاح قنوات فضائية شعرية جديدة , أن يتم الانتباه إلى هذه الثغرة .. ثغرة أن تتحول القضية برمتها إلى ( صدمة جديدة ) تضاف إلى صدمتنا التي لم نفق منها بعد , بفضل هذا ( الفيديو كليب ) الذي مازال يمارس الغثاء فوق ملامحنا صباح مساء .
4
ما نعرفه أن الشعر الشعبي .. جزء من موروثنا , نعتز به ونفخر , لكن ماذا لو انسلخ جزءاً ليس قليلاً من هذا الشعر من ” قيمته الإنسانية ” وتحول إما إلى شعر ركيك لا يمت للقيمة العظيمة لهذا الشعر بأية صلة , أو صار شعر تكسّبٍ , هدفه التجارة , و” قبض المعلوم ” عند نهاية كتابة أو قول البيت الأخير من القصيدة ؟ .. عندها لا يمكنك القول إلا إن شعرنا الشعبي قد انحرف عن خطه المعهود ، واستحال قدحاً ظاهراً في ( قيمة) هذا الموروث الجميل والأصيل .
5
ولذلك صار من المتعين أن يصار إلى تصفية ، ومحاربة الدخلاء عليه ومكافحة المتسلقين على أكتافه , بهدف الاكتساب أو الشهرة أو العبث بتاريخه .. ولقد فطن الكثيرون إلى أن الشعر الشعبي عندنا يعد – بكل المقاييس – مادة مقروءة .. وذا جاذبية واسعة لدى جمهرة كثيرة من الناس .. فراح الدخلاء يتسللون إلى عرصاته جماعات وفرادى , بنصف أو بربع موهبة .. أو حتى بأقل من ذلك .. وبدأت الصحف والمجلات الشعبية تنشر لعدد من هؤلاء , بعض الغثاء الذي يدلقه أولئك الدخلاء عليه , وصار يصل إلي أيدي القراء عموماً ، ومتذوقي هذا الفن المتوارث خصوصاً .. وبدأ كما لوكان قد اختلط الحابل النابل , وتجاور الأصيل بالدخيل , والسمين بالغث , والجميل بالرديء , والرائع مع السخيف.. فلم نعد نفرق بين هذا وذاك.