محليات

مواقف تصنع التاريخ

محمد واني

 

اذا كانت حياة الانسان عبارة عن سلسلة من المواقف المسؤولة تجاه الاحداث والمتغيرات والظواهر الحياتية ، ولا يتحقق له البقاء والديمومة ما لم يتفاعل مع محيطه ويؤثر ويتأثر به ، فان الدول ايضا لها نفس وظائف الانسان”الاخلاقية”وتتحمل المسؤولية ذاتها باعتبارها تجسيدا لافكاره وآرائه السياسية ، عبر هذه المواقف المسؤولة تظهر المعادن الحقيقية للانسان والدول على حد سواء ومستوى رقيهما وحضارتهما ، وقد سجل التاريخ مواقف بطولية لدول ورجال تصدوا لانظمة حكم قمعية تقودها طغاة ودول جائرة لولا صلابتهم وثباتهم في الوقوف بوجه هذه الانظمة والتصدي لها لتغير مجرى التاريخ ، فلا احد يعلم كيف كان يكون شكل العالم اليوم ان لم يقف رجل مثل”الظاهر بيبرس”(1221 ــ 1277) بوجه الطوفان المغولي على العالم الاسلامي ، وكيف كان شكله ان لم تتدخل امريكا في الحرب العالمية الثانية 1939 ــ 1945 بجانب قوات الحلفاء ضد قوات المحور بقيادة “هتلر”في اخر لحظة بعد ان اوشك الطاغية ان ينتصر في الحرب ، وكذلك الامر بالنسبة لصدام حسين الذي غزا الكويت واستباح اهلها (1991) ، لا يمكن لأحد ان يتخيل وضع الدول العربية والخليج والعالم ان ظل الإحتلال العراقي البغيض جاثما على صدر الكويتيين لحد الان ولم يبادر المجتمع الدولي بابداء موقف صارم ضده ! فهل توجيه عبارات المناشدة والاسترحام باسم الانسانية والعروبة والاسلام كانت تكفي لاخراجه من الكويت ؟ طبعا لا ، بدليل ان العالم كله ظل لشهور يناشده ويحثه على الخروج من الكويت ويستجيب لدعوات السلام المتكررة ، ولكنه ابى واصر على مواصلة جريمته النكراء ، فكان لابد من موقف عملي حازم يردعه عن غيه ، ويضعه في حجمه الطبيعي ، وهكذا كان ..وهب العالم كله على قلب رجل واحد بوجه الطاغية واستطاع ان يرضخه لقوانينه بقوة السلاح ، وطبعا لولا صلابة بعض الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية ومليكها الراحل فهد بن عبدالعزيز رحمه الله واصراره على طرد الغازي المحتل من الكويت ومعاقبته على فعلته الشنيعة ، لما استطاع المجتمع الدولي ان ينجح في مسعاه .. ولو وجد صدام موقفا صارما مشابها للموقف الذي ابداه المجتمع الدولي تجاه غزو الكويت او موقف الحلفاء من”هتلر”لما استطاع مجرم العراق ان يرتكب جرائمه المنظمة ضد الاكراد من قبل مثل (عمليات الانفال السيئة الصيت التي راح ضحيتها 182 الف انسان بريء والقصف الكيمياوي لمدينة حلبجة”5000 شهيد والاف اخرى بين مفقود ومشوه”) ولكن موقف المجتمع الدولي المتراخي ازاء ما تعرض له الاكراد من ابادة جماعية وتساهله في محاسبة نظام الطاغية صدام دفعه لمعاودة فعلته في مكان اخر وضد شعب اخر.
وكما دفع الشعب الكردي ثمن موقفه الثابت ضد قمع الحكومات العراقية المتعاقبة من دمائه وممتلكاته ، فان شعوبا اخرى دفعت وما زالت تدفع ضريبة وقوفها بوجه الطغيان ومن هذه الشعوب ،الشعب السوري المجاهد الذي يذبح كل يوم على يد الطاغية المجنون”بشارالاسد”امام انظار واسماع العالم ، دون ان يحرك ساكنا ، الا من قلة قليلة من الرجال والدول الابية التي وقفت موقفا مشرفا من قضيتها وتصدت للنظام القمعي”البعثي”الجائر وساندت الثورة الشعبية وايدتها وراهنت على نجاحها ، وكما وقفت السعودية والقطر من قبل بوجه النظام البعثي الصدامي وراهنت على سقوطه وكسبت الرهان ، فهل يعيد التاريخ نفسه ويتكرر المشهد ذاته وتكسب رهانها ــ ايضا ــ على سقوط النظام السوري الغاشم ؟ هذا ما نراه ونلمسه في الايام القليلة القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *