أحبتي في الله .. إن شرائع الله كاملة، فالله شرع الصيام لحكم عظيمة، وغايات كريمة من أعظمها: تحقيق العبودية الحقة لله، فالعبد يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله؛ لأن الله أمره بذلك، وهذا من أعظم الدلائل على الإيمان.
فهو ما ترك هذه الأشياء إلا لعلمه أن الله فرض عليه، ويؤمن أيضاً أن الله يعوضه خيراً منها في الدنيا والآخرة، كم يتدرب الصائم ويتعلم الإخلاص في رمضان، ولذا قيل: أعظم الأعمال التي يظهر فيها الإخلاص – الصيام- لأن الصائم يخلو وحده لا يراه أحد، ومع ذلك لا تجرؤ نفسه على الطعام والشراب لعلمه بنظر الله عليه ومراقبته لربه جل وعلا . استحضر أيها الصائم قول المصطفى \"من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه\". فأنت لا تصوم لأن الناس حولك صائمون، بل صُمْ لأن الله فرض عليك الصيام، واحتسب الأجر والثواب على ذي الجلال والإكرام، من أثر الصيام ما يحدثه التخفيف من الطعام والشراب من صفاء الروح وسمو النفس وعلوها، ولذا؛ قيل للإمام أحمد: أيخشع القلب والبدن شبعان قال: ما أظن ذلك .
ويضاف إلى التخفيف من الطعام والشراب التقليل من المخالطة للآخرين، ومن فعل ذلك يرجى له التلذذ بالطاعات والتنعم بالقربات، ولكننا بأحبتي نصوم من الطعام والشراب نهاراً ونتخم المعدة ليلاً فلا نرى خشوعاً، ولا نشعر بروحانية الصيام في نفوسنا .
في رمضان يتذكر الصائم الفقراء والمحتاجين الذين لا يجدون طعاماً يسد جوعتهم ويروي عطشهم . كان عمر بن عبد العزيز لا يشبع وقت خلافته فيقال له: يا أمير المؤمنين: لما لا تشبع ؟ فيقول : حتى لا أنسى الجوعى. إن المرء إذا شعر بألم الآخرين لا ينساهم، فالصائم ربما ذاق ألم الجوع فتذكر الجائعين. فرأف بهم ورحمهم وجعل لهم من ماله حظا ونصيبا.
من صفحة \"مكة حاضرة الحجاز\"
