اقتصاد الأرشيف

من أين يأكل العرب؟ .. الأردن ..العمران أكل أراضي القمح

لقمان إسكندر ..
وقف عجوز مقوّس الظهر يتكئ على عصاه المقوّسة أيضا في باحة بيته القروي تسنده حفيدته الجامعية ..كان يوما ربيعيا خلابا من أيام محافظة \" إربد \" التي يطلق عليها الأردنيون اسم \" عروس الشمال \" .
برغم عقود مديدة مرت على العجوز \" هنا \" ، فإنه لم يفقد يوما قدرته على الدهشة من جمال الطبيعة؛ لهذا فإن منطقه يتصالح مع نفسه وهو يصر على رفض عرض أبنائه الذين سكنوا عمان تاركين \" إربد \" مجرد ذكريات طفولة فقط ..إنه دائم القول لهم : \" أنتم مجانين، كيف أترك كل هذا وألحق بكم إلى العاصمة \" .
تقدمت العصا المقوسة خطوة إلى الأمام، وحاول العجوز مقوس الظهر أن يلحقها .لم يكن ينظر إلى حفيدته \" إيمان \" وهو يقول لها بصوت أضعفه العمر : \" من كان يظن أن هذه الأرض ستتوقف عن زراعة القمح يومًا؟ !\".
هو نفس العجوز الذي كان يسير شابا في مساحات خضراء واسعة لا نهاية لها، كلما سار فيها وسط حقول القمح كلما شعر بأنها لا نهائية، ولكن كل ذلك انتهى بعد أن أتلفت دودة الأسمنت أحلام السواعد التي ما عادت سمراء .
تكاد الصبية \" إيمان \" ذات العشرين عاما والتي تلبس الجينز و \" التي شيرت \" الأبيض القصير لا تفقه ما يتحدث به جدها العجوز، فقد اكتفت بالابتسامة .ربما فكرت أن جدها \" موضة قديمة \" فهي لا تعلم أنه كان يقصّ عليها قصة شعب مهدد بأمنه الغذائي، مثله مثل باقي شعوب العالم العربي .
المفارقة أن \" إيمان \" التي تدرس \" نُظم معلومات حاسوبية \" في جامعة \" اليرموك \" ، لم تكن تعلم أن جامعتها نفسها أنشئت على أنقاض حقول واسعة من القمح، مثلها مثل ثلاث جامعات أخرى هي : جامعة العلوم والتكنولوجيا في إربد أيضا، والجامعة الأردنية في العاصمة عمان، وجامعة مؤتة في الكرك جنوب المملكة .
ويتعجب جبر من ذلك، مشيرا إلى أن لدى الأردن صحراء ممتدة كان يمكن الاستفادة بالبناء عليها بدلا من المناطق الزراعية التي تمتاز بمستوى مطري مرتفع .
وكان الأردن وحتى ستينيات القرن الماضي مكتفيا ذاتيا من القمح، بل ويصدر الفائض، ففي عام ١٩٥٢ وصلت صادرات المملكة منه إلى ٥٨٤٦٠ طنا، وتراجعت إلى الصفر في آخر ٢٥ عاما، وهو ذات الأمر الذي ينطبق على قصة حبوب الشعير والعدس؛ إذ انخفضت من ١٤١٥٧ طنا في عام ١٩٥٢ إلى أن توقف تماما في آخر ٢٥ سنة، إضافة إلى تراجع العدس من صادرات مقدارها ٢٤٧٨٨ إلى أن توقف تماما في آخر ٢٠ سنة .
وأصبح رغيف الخبز هو المادة الأساسية في المائدة الأردنية \" صناعة مستوردة \" هي الأخرى، فقد ارتفعت مستوردات المملكة من مادة القمح إلى حوالي ٨٠٧ آلاف طن في عام ١٩٩٨ وهي أعلى كمية استيراد للقمح، فيما وصلت في عام ٢٠٠٥ بحسب بيانات وزارة الزراعة إلى ٦٢٧٫١ ألف طن .ومثلها في مادة الشعير فقد استوردت المملكة في عام ٢٠٠٤ ما مقداره ٧٦٥ ألف طن وفي عام ٢٠٠٥ نحو ٦٢٧ ألف طن .
ويعزو الخبراء انخفاض معدلات إنتاج الحبوب في الأردن إلى عدة أسباب :
وكان أحد معالم هذه السياسة السماح للزحف العمراني على الرقعة الزراعية؛ حيث تراجعت مساحة الأرض المخصصة لزراعة القمح من ٢٫٥٢ مليون دونم في عام ١٩٣٩ إلى ٨٦٫٢ ألف دونم في عام ٢٠٠٦، أي أن المساحات المخصصة لزراعة القمح تراجعت بنسبة ٢٩٠ بالمائة .
كما تراجعت مساحات الأراضي الزراعية المخصصة للمحاصيل الحقلية لصالح المباني والبستنة بشكل عام، فبعد أن كانت الأراضي الزراعية ٣٫٦٣٤ مليون دونم في عام ١٩٣٩ وصلت إلى ١٧٦ ألف دونم فقط في عام .٢٠٠٦ وتراجعت تبعًا لذلك كميات الإنتاج من أعلى مستوى لها في عام ١٩٣٩ والبالغة آنذاك ٢٢٤٫٨ ألف طن إلى ١٢ ألف طن في عام .٢٠٠٦ وحسب وزارة الزراعة فإن تراجع مساحة الأراضي المزروعة يعتبر المسئول عن حوالي ٧٠ بالمائة من هذا التراجع .
هجر الزراعة
وترجم المواطنون هذه السياسة بالإقبال على الوظائف الحكومية على حساب القطاع الزراعي .هذا ما فعله والد إيمان عندما انتقل إلى العاصمة عمان مع أسرته ولحقه بعد ذلك أشقاؤه، وهو الأمر ذاته الذي قامت به العديد من الأسر .
\" لم يبق من أحد ليهتم بالأرض وزراعتها \" يتمتم العجوز بذلك، وهو يشير لحفيدته إيمان أنه يرغب بالدخول إلى البيت، فالشمس اقتربت من المغيب، ويريد أن يجهز نفسه للصلاة .
ورافق كل تلك الأسباب \" البشرية \" سبب طبيعي آخر هو النمو المضطرد للسكان، فيما يقول مدير زراعة محافظة الكرك بالوكالة المهندس الزراعي أكثم المدانات إنه بالإضافة إلى الأسباب السابقة فإن عدم تبني المزارعين للتوجيه والإرشاد المنبثق عن البحث العلمي فيما يتعلق بدودة الزرع على وجه الخصوص، ساهم إلى حد كبير في انخفاض زراعة الحبوب في الأردن .ويلاحظ خبراء الزراعة في الأردن أن من أسباب انهيار زراعة القمح في الأردن خسارة المملكة للضفة الغربية عام ١٩٦٧ التي ظلت أراضيها الخصبة تنتج كميات كبيرة من القمح، وهو ما ساهم بإرباك زراعة الحبوب أردنيا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *