عندما تتحول مظاهرات سلمية شعبية لحرب أهلية تجتاح بلد ما فأعلم أن هناك عاملين رئيسين لذلك : ضعف العقد الاجتماعي بين السلطة والشعب كعامل أول فيرى الشعب أن هذه السلطة لا تمثله ولا تمثل قيمه وهويته كسلطات الاحتلال و بعض الأحزاب العقائدية مثلاً ، والاستبداد وعدم المشاركة الشعبية الاقتصادية والسياسية كعامل ثاني و كل مسألة المؤامرات و المكائد بالدول واقع لكنها عوامل مساعدة فقط في إذكاء نار الحروب الأهلية و لن تكون فاعلة من غير الأرض الخصبة التي ذكرت والتي ستهدد وحدة أي بلد و مسألة بقاءه في المنظومة الدولية فالذي حَّل ببعض الدول العربية من بعد موجة الثورات الشعبية من سقوط لأنظمة و فقدان لمركزية الدولة و سيادتها و تنامي الجماعات المتطرفة و عدم سيطرة الدولة على حدودها لأمر خطير جداً و مهدد حقيقي ليس لدول الجوار فحسب ولكن لكل العالم وكلنا يذكر حديث خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله رحمه الله من أن العالم كله لن يسلم من الإرهاب و أنه سيصل للجميع ، لقد كانت كلمة صادقة تحققت رغم أن المعطيات كانت موجودة لكن لا يفهمها إلاّ بعيد النظر.
بالرغم من أن اتفاقية سايكس – بيكو رسمت ملامح المنطقة وبعيداً عن رومانسيات الجماعات الإسلامية المختلفة ونظرتها للدولة والشعوب إلاّ أن الدول العربية وقطريتها واقع يجب التعامل معه وفق المرحلة الحالية و أن هذه الدول التي نشأت بعد تلك الاتفاقية هي دول مؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة و تحت مظلتها و حدودها و مقدراتها محفوظة ضمن العهود و المواثيق الدولية فعندما تتعرض أي دولة عضو لأي أزمة لابد من التدخل الدولي لحلها ، و الواقعية السياسية هي الحل لكثير من المشكلات و الأزمات حول العالم فلا حلول بيضاء و لا سوداء و إنما يقع أي حل سياسي في أحد المناطق الرمادية.
لو ألقينا النظر على المسألة السورية لرأينا أن الوضع ازداد تعقيداً مما كان وفق معطيات جديدة أفرزها التدخل الروسي والتراجع الملحوظ للدور الأمريكي في المنطقة، و للأسف لا انفراج قريب يلوح في الأفق ، و أصبح من المستحيل السماح للمعارضة بالحسم أو السيطرة على الأرض فلا زال هناك أزمة ثقة بينها و بين بعض القوى الإقليمية و الدولية و لن يتم السماح لمكون أن يهمش مكون آخر داخل البلد ، و لنا في الحرب الأهلية اللبنانية عبرة فلقد استمرت خمسة عشر عاماً لم يستطع أحد إلغاء الآخر و وافق الجميع في نهاية المطاف على مسألة العيش المشترك.
في الواقع هذا أفضل الحلول لسوريا للحفاظ على وحدتها فلا حل بدون مسألة العيش المشترك بحلول سياسية وفق مرحلة انتقالية من دون بشار الأسد و كبار معاونيه مع الحفاظ على مؤسسات الدولة لكي لا يتكرر الوضع العراقي و الليبي المتأزم في سوريا و ذلك إذا استطاعت دول أصدقاء سوريا في اقناع الروس الفاعلين على الأرض و السماء السورية بتلك الخطوة.
لكن تلك الخطوة قد يحاربها النظام الإيراني و قد يسعى إلى تقويضها ما أمكن فهو يرى أن بقاء نظام الأسد من بقائه كقوة في المنطقة و لا يريد خسارة نفوذ في منطقة حساسة تسهل عليه التلاعب بالكثير من الأوراق.
و لا ننسى أن نظام طهران و تدخله في الشأن السوري من أسباب إطالة الأزمة رغم تراجع هذا الدور مؤخراً لكن هذا النظام بعقيدته السياسية الخرقاء سيظل يعيش على النزاعات و الفوضى و سيحاول على الدوام إيجاد موطأ قدم له في مناطق الصراع.
في النظام الدولي الحديث يغلب على دول العالم احترام السيادة و عدم المساس بها و لكن لكل قاعدة شواذ فهناك أنظمة تحاول دائماً تهديد السلم الدولي و إثارة القلاقل إمّا لأسباب اقتصادية و سياسية أو أحياناً لأسباب آيدولوجية منحرفة تريد من خلالها السيطرة و النفوذ و إعادة أمجاد بائدة كما يفعل نظام ولاية الفقيه و الذي ما فتأ من لحظة انطلاقه من تهديد دول الجوار و إثارة النعرات الطائفية و محاولة تشكيل المنطقة بما يوافق هواه.
إن هذا النظام البائس كالسرطان المستشري فلا يتدخل في دولة إلاّ و جعل الحياة فيها جحيماً و هو يستخدم في ذلك أدوات كثيرة معروفة من أشهرها إضعاف الحكومات المركزية في دول الجوار و إنشاء و دعم فصائل تتبع له عقائدياً و سياسياً من أجل تحقيق طموحاته الجشعة.
هذا النظام لا تهمه سيادة و مركزية الدولة فيها بقدر ما يهمه ولاء شريحة مسلحة ذات تأثير تسيطر على مساحة معينة يستطيع استخدامها متى شاء كأحزابه المنتشرة في عموم العالم العربي وليتسنى له الانتقال بعد ذلك لأراضي و دول جديدة و قد تكون دول لا يوجد بها تاريخياً طائفة شيعية مثل دول أفريقيا و دول جنوب شرق آسيا.
و هذا ليس كل شيء بل هناك أدوات خبيثة أخرى لإيران كتسهيل مرور الجماعات المتطرفة كداعش و القاعدة خلال أراضيها و عبر مناطق سيطرتها فوجود تلك الجماعات و الضربات الإرهابية التي تقوم بها من أوراق اللعب بالمنطقة و التي لن تتخلى عنها إيران بسهولة و ستستغلها طويلاً ، و يجب علينا الإنصاف و الاعتراف بمدى عراقة المخابرات الإيرانية في اختراق الجماعات الأصولية و مدى قدرتها على توجيهها لضرب أي منطقة تريدها حول العالم.
ما أكثر ضحايا إيران و أجنداتها خصوصاً من دول الجوار فالعراق مثلاً من أكثر الدول تضرراً بالتدخل الإيراني و الذي لا يمكن معرفة أعداد المليشيات الطائفية فيها لدرجة أنها أصبحت تسيطر على مناطق في العراق لا يمكن للحكومة المركزية ولا الجيش الوطني الدخول فيها لتكوّن بذلك كانتون أو قاعدة خاصة بها تنطلق منها للإغارة على أي محافظة داخل الوطن تخالفها سياسياً أو مذهبياً ، و قد يكون الأمر أخطر و أعقد لو فكرت هذا المليشيات انطلاقاً من تلك القواعد باستهداف دول جارة كالقاعدة المشبوهة الموجودة في مدينة النخيب في محافظة الأنبار القريبة من الحدود السعودية و التي ضمت مؤخراً لمحافظة كربلاء.
هناك فرق كبير بين النظام الإيراني و بين أنظمة الخليج العربي الجارة لها و التي على الدوام كانت مساعيها و طرق دعمها هي للاستقرار و للدولة و عابرة لكل الطوائف وفق أسس متينة من الإخاء و الصداقة و احترام المواثيق الدولية فلو أخذنا الوضع اللبناني على سبيل المثال لرأينا أن اتفاق الطائف هو من أوقف الحرب و أسس لإعادة الإعمار و في عدة مراحل لاحقة كان الإعمار و التنمية لكل المناطق و لكل الطوائف من دون تفريق و تمييز فشتان في ذلك بين دول الخليج و بين نظام الملالي الموغل في الطائفية المحارب لكيان لبنان الدولة.
لقد حاول النظام الإيراني على الدوام جعل حزب الله في لبنان أقوى من دولته بالدعم المالي و بالتسليح لدرجة أن إحدى الشخصيات الأكاديمية في لبنان الداعمة لمحور الممانعة و المقاومة في إحدى اللقاءات التلفزيونية بعد إيقاف المساعدات السعودية للجيش اللبناني ذكرت معلقةً بأن الحزب لا يحتاج أي سلاح إن كان سبب الإيقاف الخوف من وصوله لأيدي حزب الله لأن الحزب أكثر و أحدث تسليحاً من الجيش اللبناني.
يا له من عذر أقبح من ذنب و احتقار للدولة و لجيش الوطن و عدم ثقة بالمؤسسات الحكومية و هذا يوضّح سبب عدم الاستقرار السياسي في لبنان و في غيره فهناك من يريد حضن الدولة و ازدهارها و هناك من يعيش على الفوضى.
عبدالهادي نايف السلمي
منكم من يريد الدولة .. ومنكم من يريد الفوضى

لافض فوك ولاعدمك محبوك .
فعلا اخي عبدالهادي
ايران تلعب دورا سلبيا في المنطقة
بالاضافة الى حالة الفوضى التي عمت ارجاء الوطن العربي والاسلامي
مقال رااائع يفند الحقائق حول الاحداث التي تجري حولنا
لك مني كل الود
مقال فيه الكثير من الموضوعية
كاتب متميز