كان ذلك في العام 1380هـ وما بعده بسنوات قليلة .. كنا اطفالاً في اول المرحلة الابتدائية وبعد مغرب كل يوم في دارنا “الجميلة” في حي الجميزة “الجميل” في مكة المكرمة وتحديداً بداية الحي المقابل لجزء من مقابر السيدة خديجة رضي الله عنها وبداية “الحجون” مساء كل يوم يحضر “العسه” محمود شخص مكتنز الجسم اسمر اللون يعتمَر “عُمة” لها ذؤابة يرتدي ثوبا ملونا يحمل في يده عصا غليظة وفي جيبه يتدلى حبل “صافرة” يحرص ان تكون تقاسيم وجهه اكثر “غموضاً” يجلس على مقعد امام دارنا يبدأ عمله ومهمته اليومية لمراقبة الحي .. ذلكم هو “محمود العسه” والذي يتولى مهمة ومسؤولية حفظ الامن بعد الله في حدود الحي المحددة له من الشرطة وكنا نستمع الى “صافرته” عندما نتنبه خلال اوقات النوم يحذر بصوتها كل من تسول له نفسه الاقتراب من المنازل او القيام بأي عمل اجرامي.
الأتريك
تلك الفترة كانت اضاءة الاحياء بالاتريك يحمل المسؤول عنها عددا من “الاتاريك” على عصا ويقوم بربطها اعلى “عامود” خشبي تبقى مضيئة طوال الليل ويحضر بعد الفجر لجمعها وصيانتها.. وكانت الاتاريك لا يتعرض لها اطفال الحي وقد عرفوا من اسرهم اهميتها وقيمتها لإضاءة “الأزقة” .. يجوب العسه محمود ازقة وطرقات الحي طوال الليل ويتبادل مع بعض الجيران التحية وهم يغادرون لصلاة الفجر واثناء عودتهم الى منازلهم وكان يعرفهم بالاسماء ويناديهم بها وهو مصدر اطمئنان للناس واسرهم لا يستطيع “غريب” ان يدخل الحي او يغادره قبل ان يتأكد العسه من شخصية ومكان ذهابه او المنزل الذي يقصده ويقوم كثيراً بسؤال مالك او ساكن المنزل عن علاقته بالشخص .. ذاك الزمن كان العسه عوناً بعد الله لرجال الامن بإمكانياتهم المحدودة..
وقد ودعنا العسه مع بداية 1390هـ .. واستبدل بسيارات الدوريات والحراسات .. العسه رجل الامن في حقبة من الزمن.
