بخيت آل طالع الزهراني
ذات مرة وأنا في جلسة مع بعض مديري المدارس قبل عدة سنوات , وصل فيها حديثنا إلى الصحافة والكُتّاب والمقالات .. قال لي أحدهم : ” إن ما تكتبونه أنتم الكتاب بالصحف هو شيء معروف لدينا ” .. ويقصد : أنكم لا تقدمون جديدا , فما تقولونه في مقالاتكم نحن نعرفه .
وعندما تأملت كلام صديقنا ذاك مدير المدرسة وجدت نصفه صحيحا والنصف الآخر خطأ , وللتوضيح أكثر فإن قضايا مجتمعنا في دائرته الصغيرة معروفة بالطبع للكثيرين , وكذلك فإن قضايا العالم في دائرتها الأوسع هي أيضا وإلى حد ما معروفة لبعض شرائح المجتمع من المتابعين .
لكن يظل الفرق أن الكاتب وخاصة المحترف , أو ما يمكن أن نقول عنه إنه خلق ليكون كاتبا طبعا بعد عبادة الله , ذلكم الكاتب لا يمكن لأحد من عامة الناس أن يجيد الكتابة مثله , بفنونها المعروفة , من صياغة وسلاسة وجزالة وترابط وحسن عرض .
أعرف أناسا مفوهين في الحديث لا يغلبهم أحد في المجالس , لكنهم لا يحسنون الكتابة الجميلة , وثمة موظفين وصلوا لمراتب عليا ولكنهم كذلك عندما يكتبون مقالا ما فإن كتاباتهم تظهر هشة , مرتبكة , وغير متجانسة أو مترابطة الأفكار , ولذلك تبدو مقالاتهم ضعيفة أو خجولة.
إذن المسالة ليست فقط في أنني أعرف ما تعرفه أنت , لكن الجزء الأهم من القضية , أن الكاتب صاحب قلم سيال عادة , واسلوب جذاب , وأفكار مترابطة , وبعضهم وأنت تقرأ له تشعر كما لو أنك تتناول قدحا فخما من الكابشينو بعد عناء ساعات من العمل , أو كأنك تتناول وجبة طعام شهية.
فيما غيرهم من الناس مهما كانت لديه من معلومات ومعارف وافكار , فإنه لن يستطيع تكييفها في مقال شهي , لذيذ , لا تشبع منه .. ولذلك يبقى هذا هو الفرق بين الكاتب المحترف , وبين الآخر من عامة الناس , حتى ولو كانت تحت يده معارف ومجلدات بآلاف العلوم .
وتظل الكتابة موهبة في أول الأمر , ثم يتم صقلها بالتجربة الطويلة الواعية , من قراءات معمقة , ومران كتابي لا يتوقف , وتطوير متواصل مع السنين .. أما من أرد أن يقول أنني أعرف الفكرة , وانت ككاتب لم تأت بجديد , فإنه يظل يغالط الحقيقة ويغلط نفسه , فالعبرة ليست بـ ” مواد الوجبة الغذائية ” وحسب , ولكن العبرة بالطباخ الماهر , ذاك الذي حولها لك الى وجبة شهية تأكل أصابعك وراءها .
الكتابة منحة ربانية , موهبة , وصقل واجتهاد واخلاص من الكاتب .. ولذلك لا يمكن لأي أحد من الناس أن يكون ” كاتبا – بالمشعاب ” .
كاتب بالمشعاب
