كتبت – لبنى شاكر
(دائماً تنسى صباحي، ودائماً تهمل تفاصيلي، أجد ألف عذر لهروبي من عينيك، ويزداد يقيني بأنك لن تحتضن أناي المتعبة بك يوماً ما، ولن أكون سوى غيمة صيفية في حياتك، تنثر على وجهك قليلاً من رذاذ الماء، في صيفك الحار، لتنعشه قليلاً وترحل بعدها إلى أرضها، لتبحث عن حقيقة الوجود، وتكتشف أنها كانت تحلق في سماء خيالية تستثير الإلهام وتنجب الأمل ولكن من دون أجنحة)، بهذه المونولوجات جاءت المجموعة القصصية الأخيرة (صباح الياسمين.. صباح الغاردينيا) للدكتور هزوان الوز، حوارات حية وأخرى خيالية، ومع اختلاف مضامينها، يعيش إنسانها اضطراب ما حوله وبحثه عن سعادة، ولو ضئيلة.
بكثير من التنوع، قدم القاص حكاياه، ليطول السرد في بعضها، بتتالٍ بطيء، في حين يتسارع الإيقاع في أخرى، ويقترب من أرق المشاعر وأكثرها شفافية، بمفردات يومية بسيطة، ففي قصة (دوائر وعربات)، يقتحم ذهنية سجين مرهق بحديث داخلي بين الفضيلة والخيانة، يهذي بمسوغات الجريمة إلى أن يستسلم لأفكاره ورغبته بالخلاص، ليس فقط من سجنه، بل من كل الخطايا، التي دنست إنسانية الإنسان، يقول: (تعاقبت الأحداث بسرعة، سافرت لأجمع بعض المال، عدت وتزوجت، خانتني زوجتي، ارتكبت جريمتي، دخلت السجن، تشاجرت مع الشرطة، وضعوني في زنزانة منفردة، وقد توهموا أنها زنزانة، إنها صومعة، إنها صومعتي، ولأعتكف بها وأنسق آرائي، وأبدع مذهبي في الحياة، ثم أنادي به، وستنتشر أفكاري بين المساجين كما تنتشر النار في الهشيم).في القصة التي حملت المجموعة عنوانها، تعيش (يارا) صراعاً لا يقل حدة عما عايشه السجين، فلا تكتفي بمجرد المشاعر تجاه (حسان)، وتدري في الوقت نفسه أنه لن يتغير، لكن اتصالاً هاتفيا، يبتعد بها عن كل الاحتمالات والأفكار السابقة، حين يصبح الموت المرافق لقذيفة هاون واقعاً لا يحتمل الجدال، كذلك كان للألم الذي نعرفه جميعاً منذ 4 سنوات، بتفاصيل خبرناها كلٌ بطريقته، فسحة قصصية،في (أمنيتان فقط). ولا تبتعد المآسي عن قصص (لوحة تبكي، من حكايات البغال، رشا والعصافير)، ورغم أن أبطالها اعتادوا العيش بصمت، لكنها ومع واقعية الطرح ابتعدت عن عنصر المفارقة الجاذب، أما في تصوير «الوز» لتفاصيل طباعة أوراق الامتحانات أو رحلة لوحة في مكاتب المسؤولين وتظاهراتهم الثقافية، فإنه يحاول السير نحو غايات ورموز، لا تجد صدى لها على أرض الواقع، مع أنها جزء بسيط مما يعانيه صغار الموظفين أو الفنانين المبدعين، ليكون السرد ذاتياً ويعكس واقعاً مريراً صوّره القاص بقدرة عالية على الكشف، ولاسيما أنه صاحب تجربة طويلة في ميادين العمل الوظيفي.
المجموعة صادرة عن اتحاد الكتاب العرب، وهي الثالثة بعد (عيون في الخريف، وحكايا طائر السمرمر)، ومع أن 17 عاماً تفصل بين مجموعة الوز الثانية والأخيرة، لكنه كما شرح الدكتور نضال الصالح في تقديمه للمجموعة لم ينقطع عن الكتابة، فقد أنجز رواية (سرير من الوهم)، وثلاثة مؤلفات في التربية والسياسة والإعلام (نحو مجتمع معرفي، الوطن في لحظة الحقيقة، الإعلام: أدوار وامبراطوريات)، إضافة إلى ترجمته قصصاً من الروسية (اثنان وواحدة) للكاتبة الروسية غالينا شيرباكوفا، وعبر ذلك، ظلت القصة القصيرة العالم التخييلي الأكثر قرباً إليه ومنه.
وفي تقديمه أيضاً، رأى الصالح أن مجموعة (صباح الياسمين، صباح الغاردينيا): فيها من الكثرة، بعدة مستويات، بحيث يغوي كل نص من نصوصها بمتابعة قراءته حتى نقطة النهاية منه، وتفيض النصوص عامة بغير إشارة دالة على تطور أداء الوز القصصي، وعلى وعيه بأن الكتابة المعلقة في الفراغ ليست سوى زيف كتابة فحسب، بل أيضاً محض وهم بانتسابها إلى الإبداع.
صباح الياسمين.. صباح الغاردينيا تواكب إيقاع الحيـاة المضطــرب
