الأرشيف دولية

سوريا .. وماذا بعد التنحي ؟

اندرو ميدا – سوريا
أكثر من خمسة أشهر من الدماء، والثورة السلميّة الطّاهرة تسير في ذات الطريق. تواجه الدبّابة بالصدر الأعزل وطلقات الرشّاشات بالنكات والضحكِ المقهور. خمسة أشهر فقدت فيها سوريّة أمانها و تحوّلت إلى كتلة رعب لم تستثن المتظاهر السلميّ الشريف عن ذاك الذي لم يشارك إلّا بأضعف إيمانه، قلبه. كلّ شيء عند النظام منذ الشهر الأوّل، أضحى مستباحاً في سبيل الكرسيّ لا غير؛ السرقة ، انتهاك البيوت والمحرّمات، تدمير المقدّسات من مساجد وأماكن عبادة، الممتلكات ما صَغُرَ منها أو كبر، حتّى إحراق المحاصيل الزراعيّة كما رأينا في جبل الزاوية، جسر الشغور ودرعا، وصولاً إلى قتل الأطفال والنساء. هي ساحة حرب، لا عبارة أخرى قادرةٌ على إعطاء الوضع منطقه الصحيح.
سبعة أشهر، ومعارضينا السوريّين الذين عاشوا أربعين عاماً في ظلّ التهميش وتقطيع الأوصال يحاولون- بجهد يُشكر لهم- استخلاص قرار يدين القمع، يدين القهر والمعاملة الّلاإنسانيّة وانتهاك أبسط الحقوق البشريّة، لكنّهم، أي المعارضون، لم يتمكّنوا حتّى الآن من استخلاص موقف معيّن، بل فشلوا في الالتفاف حول رأس واحد يعين أهلهم القابعين خلف خطّ الوحشيّة على التخلّص ممّا يعانوه. اختلافٌ على الإيديولوجيّات ربّما أو على أهواء لم تتحدّد إلى الآن، نفهم الضغط الذي يعانون، وإن كان غير مبرّر إلى الآن بسبب كثافة الدمّ السوريّ الطاهر الذي أهدر.
و اللّافت أنّ إدانات كثيرة صدرت وعقوبات أيضاً، وصلت إلى أعلى مستوياتها مؤخّراً؛ مطالبات كثيرة عالميّة وعربيّـة بوقف العنف فوراً، سحب الجيش وإعطاء الشعب كامل حريّته وحقّه في التعبير السلميّ لا غير.
لكن السؤال الذي يُطرح للتمعّن: هل أصاخ النظام السوريّ السمع لأيّ من هذه المطالبات أو الإدانات منذ اللحظة الأولى حتّى الآن؟
هل توقّف القمع وإهدار الكرامات والدمّ ولو ليومٍ واحد؟
مما يقودنا بالتالي للسؤال المطروح الأكثر أهميّة مما سبق:
ما هو المصير؟ هل بطلبِ تنحّي صدرَ مؤخّراً، ولو كثُرت مصادره ؟
وطالما اجتمعت المعارضة، على شيء واحد فقط لا ثاني له، وهو عدم التدخّل العسكري، الذي كما نرى ونعلن أنّه سيقود بلادنا كما لا نريد، ربّما إلى هاوية لا أحد سيقدر على استيعابها أو قبولها، سنصل إلى: كم من الأشهر ستمرّ علينا مثل الأشهر الخمسة الأخيرة؟ ستّة؟ عشرة؟ أعوام طويلة ستكون فيها بلادنا محطّمة إنسانيّاً واقتصاديّا؟
لقد اختار الطرف الأقوى وهو الشعب الآن، التغيير، فعلى أيّ نهجٍ سيمضي؟ أنهج الموت المدروس حيث اختارت حكومته \"فقدانه\" كبديل عن محاولتها إقناعه بـ\"حزمة\" إصلاحات هي أشبه بنكتة سمجة لا تحمل لوناً و لا نكهة و لا حتّى رائحة؟
لن نتراجع بعد أن أصبحنا هنا، قناعة بات أكثر من ثلثيّ الشعب مقتنع بها، مجمع عليها، لكن من القادر وبأيّة وسيلة على إيقاف ما يجري على الأرض؟
منذ مدّة و تركيّا ترفض علناً حتّى حماية حدودها التي كانت أصلاً محظورة الدخول من قبل الجيش ضمن اتّفاقيّة ترسيم للحدود، لا بل وغضّت الطرف تماماً عمّا حدث في مناطق تدخل ضمن تلك الاتّفاقية، وأردفته بنفيها إقامة \"حزام أمني\" كما كان وارداً في ذات الاتّفاقيّة. الجيش و انشقاقاته المتكرّرة لا ترقى لمستوى حماية شعبٍ بأكمله في أكثر من خمسين منطقة ومحافظة خاصّة أنّه من المُثبت قيام النظام بتجييش عناصر لم تكن ضمن الجيش ولا الأمن، والمثير للجدل في كثير من الأحيان، أنّها-أي العناصر- ليست من أصول سوريّة أصلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *