جدة-المحرر الثقافي
قدّم الناقد الدكتور سعيد مصلح السريحي ، خلال الحلقة النقدية التي نظمها نادي جدة الأدبي البارحة ورقة نقدية بعنوان (مخاتلة العقل للمعرفة ) قال فيها يحظى منا بالإعجاب من يلتقط شبها بيننا وبين قريب لنا لم يره من قبل فيعرف من خلال ذلك الشبه أن من رآه أخا أو ابنا أو بيننا وبينه عرق، ولربما أسبغنا على ذلك الشخص صفة الفراسة التي توشك أن تكون واحدة من قوى العقل الخفية التي لا يحظى بها غير من نعتقد فيهم الذكاء والفطنة، وحين يمعن ذلك الشخص في تحديد وجه الشبه الذي قاده لاكتشاف صفة القرابة تلك سواء كانت متصلة بالعينين أو بالأنف أو صفات عامة تتمثل فيما نوجزه حين نقول “الدم واحد” عجزا منا عن تحديد مواطن التشابه التي قادتنا لمعرفة تلك الصفة، حين يحدد ذلك الشخص التشابه الذي قاده للمعرفة نعترف أنه رأى ما لم نكن نرى فنزداد ثقة بما ذهبنا إليه من تمتعه بالذكاء والفطنة.
وفي التفاصيل، شهدت الحلقة التي أدارها الناقد الدكتور محمد ربيع الغامدي مداخلات عدة من الحضور وكان من أبرز الحضور الدكتورة فاطمة إلياس، والدكتورة لمياء باعشن، والأستاذ علي الشدوي، والدكتور عبد الله الخطيب، والدكتور بدر العتيبي، والدكتورة هناء حجازي، والدكتورة أميرة كشغري، والأستاذ سعد الثقفي، والأستاذة لما غلاييني، والأستاذة لبنى غلاييني.
وقال السريحي يصبح بإمكاننا أن نكتشف آلية عمل العقل القائمة على رصد وجه التشابه بين ما أصبح جزء من مخزوناته وما يمكن أن يستجد على ذلك المخزون من معارف جديدة، عمل العقل حين لا يرى فيما يستجد عليه غير ما سبق أن رآه من قبل، وهي رؤية تقوم على تغييب التفاصيل الأخرى المكونة للاختلاف والمميزة للعوالم من حوله والتقاط أوجه التشابه، وهي الأوجه التي لا تلبث أن تغيب حين توفر لنا معايشة أي معلم جديد فرصة التعرف على تفاصيله ومعرفة ما يتميز به على ما يبدو مشابها له.
وأبان السريحي بان تاثير ذلك في تشكيل المعرفة، والتي تبدو في كثير من جوانبها نتاجا لمخاتلة العقل لهذه المعرفة وذلك حين يعمد إلى ترتيبها وفقا لما هو متشابه منها محققا بذلك ضربا من الاكتفاء الذي يغيب التفاصيل التي تنبني عليها معرفة الإختلاف والذي يحقق مفهوم العلم الحقيقي على اعتبار أن العلم، في جوهره، إنما هو معرفة بالتفاصيل.وأردف قائلا ولعل بإمكاننا أن نرد كثيرا من الأدوات التي تنبني عليها المعرفة إلى تلك المخاتلة ومن ذلك نظرية الأنواع والأجناس والتي تعمد إلى تصنيف مختلف الظواهر والعوالم والمعالم من حولنا إلى أنواع وأجناس محددة قائمة على ما بينها أو بين فروعها من تشابه، وهو تصنيف من شأنه أن يحقق قيمة معرفية غير أنها قيمة تخاتلنا عن أوجه الإختلاف المسكوت عنها من قبل ذلك التصنيف والمقموعة من خلال الأدلة والبراهين التي تبرر ذلك التصنيف وتجعل منه عملا من أعمال العقل وأداة من أدوات المنطق، في الوقت الذي يفضي فيه التصنيف وفق الجنس والنوع إلى اختصار العالم إلى كليات تسهّل عملية التعرف على العالم من حولنا غير أنها تعطل ملكة التفكير فيما وراء هذه الكليات من تمايز واختلاف من شأنه أن يجعل من التعرف على العالم عملا مستمرا وبناء متواصلا للمعرفة من حيث هي مغامرة صوب اكتشاف ما هو مختلف ومستجد وما تعمد الكليات إلى حجبه عن مجال الوعي به.
وقال السريحي وإذا ما كانت العقلانية تعني الاحتكام للمنهج العلمي الصارم فإن على هذه العقلانية ألا تكتفي بفضح الذاتية والأيديولوجيا التي تنحرف بالمعرفة عن علميتها وإنما تترصد في الوقت نفسه مخاتلات العقل للمعرفه حين يستسلم لكسله فيكتفي بتتبع التشابه مسيدا قوانين الكليات دافعاٍ إلى الظل بالتفاصيل التي تتأسس من خلال الاختلاف وتؤسس لتجاوز مستمر للمعرفة وتحقيق آفاق جديدة للعلم.
حيث تداخل الدكتور محمد ربيع الغامدي قائلا اسمحوا لي أن أستعير في مداخلتي على ورقة الصديق د. سعيد السريحي بعض مفاهيم اللسانيات، وعلى وجه التحديد مفاهيم (اللسانيات الإدراكية). وأشير في هذا الاتجاه إلى أطروحة “الاستعارات التي نحيا بها” للعالمين (لاكوف) و(جونسون)؛ إذ إنها تسير مع ما جاء في ورقة السريحي، فهي تشير إلى أن التعبير عن (المجرد) لا يتم إلا باستعارة (المحسوس). فالزمن على سبيل المثال نقول إنه (قادم) أو (مقبل) أو (مضى) ونحو ذلك، وكأننا نشير إلى شخص يسير على رجليه. وقد انبنى علم اللغة الإدراكي كله على هذا المنحى. وهذا يدل على مدى عجز العقل عن التعبير عن المجردات دون الاستعانة بالمحسوسات. وهو ماعبر عنه السريحي في ورقته بتدمير العقل للوقائع في حين أنه كان يسعى إلى بنائها.
حول (مخاتلة العقل للمعرفة) في أدبي جدة .. السريحي : العقل حين لا يرى فيما يستجد عليه..يدمر الوقائع
