الأرشيف متابعات

حكايات من تحت جسر الستين ٢ـ٢ ..ملل وروائح وعيون شاردة تنتظر ساعة الانعتاق والترحيل

جدة ـ بخيت طالع الزهراني ..
أحمد وعلي . . سائقان قدما من الرياض، واستقرا تحت جسر الستين، أما كيف فإنها قصة غريبة، اعترفا بأنهما هربا من كفيليهما، لعدم انسجامهما معهما، من حيث دفع الرواتب، حيث ـ كما قالا ـ قد مرت ثمانية أشهر دون يحصلا سوى على راتب شهرين فقط، والى جانبهما وقف حسن ومحمد وعبدالله وهم من متخلفي العمرة، وبعد أن وصلت بهم احوالهم المادية الى جدار مسدود، كانت محطة جسر الستين هي الملاذ الذي يتطلعون من خلاله الى انفراج معضلتهم، بالترحيل الى بلادهم، بعد أن فهموا حكاية أن من تسوء احواله وظروفه المادية، يكون هذا هو مخرجه الوحيد للانعتاق من الازمة . .
خطأ وعلاجه خطأ
ثمة اعتقاد خاطئ لدى بعض العمالة بأن الهروب من الكفيل هو الحل، ولم يعرف هولاء أن بمقدروهم أن يرفعوا أمرهم الى الجهات الرسمية التي يمكن لها أن تفصل في الأمر بينهم وبين كفلائهم، باعطاء كل ذي حق حقه . . ونتيجة لهذا الخطأ في الفهم كانت رؤية السائقين \" أحمد وعلي \" عندما هربا من كفيلهما من الرياض، ووصلا بطريقة أو بأخرى الى جدة، ثم لاذا بمساحات الظل التي يوفرها جسر الستين، والذي يبدو أنه تحول مؤخرا الى محطة استجداء شبه ثابتة للمتخلفين من الحج والعمرة، وللهاربين من كفلائهم، بأمل أن تشرق شمس أحد الأيام، وإذ بحافلة الجوازات تنقلهم الى حجرات الترحيل، ومن ثم العودة الى بلادهم، وكما قلت في مقدمة هذا الموضوع بأن قصة \" أحمد وعلي \" غريبة، فإن محاور غرابتها تتألف من الاسلوب الذي تمكنا من خلاله من الهرب من وسط البلاد الى الساحل الغربي، وكيف اتفقا على محطة جسر الستين، وهل ثمة من ادلاء يريدون لهم التجمع في نقطة واحدة؟ !!
خطر صحي
وعندما كنت اتجاذب اطراف الحديث مع أكثر من شخص تحت الجسر، كانت الدقائق تهرول باتجاه موعد صلاة الظهر، ورأيت ان كثيرين يتهئون للذهاب إلى المسجد للصلاة ، وقبلها أن يلوذوا بدورات المياه، حيث ضاق صبر عدد منهم بنفسه، بعد اكتظاظ احشائه، حيث لايوجد دورات مياه تحت الجسر ، والمكان الملائم بدورات المساجد التي لا تفتح غالبا الا اوقات الصلوات، ومع ذلك فرائحة المكان تحت الجسر تفوح بالروائح ، التي لا يخطئ الانف نوعها، وبالتالي فإن أثرها الصحي خطير على الحشود الجالسة تحت الجسر، وعلى السكان المحيطين والمارة، وعلى البيئة بشكل عام، وهو ما يجعل فرضية نشوء بوادر علل معينة لها ارتباط بهذه الحالة أمر وارد تقريبا . . ناهيك عن أن كل ما رأيته من الوجوه كانت تتحدث عن نفسها، وجوه أظن أن الماء لم يباشرها من ساعات طوال، ومستوى متدن من النظافة الشخصية ، تبدو مؤشراته من روائح الاجساد والملابس التي تغطيها، والتي قال لي أحدهم انه لم يبدل ملابسه منذ اسبوع .
اهازيج الملل
في مكان آخر وبجوار احد اعمدة الجسر، التي تنتهي بحوض واسع راح سبعة من الرجال يتقاطرون على حافة الحوض الاسمنتي الضخم، وايديهم على اكتفاف بعضهم، وراحوا يتمايلون على انغام اهازيج يرددونها بصوت هادئ بلغتهم المحلية، وفي مشهد يجمع التراجيديا مع الكوميديا معا، وحتى أكون مصدر اطمئنان لهم، وجدت نفسي ابحث عن مكان وسطهم، واعلق يداي على اكتاف من جاورني واشاطرهم جانبا من تمايلاتهم . . ثم بدأت اسمع منهم حكايات الانتظار الممل ليل نهار ولعدة ايام بانتظار من ينقلهم الى الترحيل، وكانت قصتهم أنهم من متخلفي العمرة ممن دفعهم الزمن الى الارتماء تحت الجسر، وقالوا ان ساعات النهار طويلة ولحظات الليل أطول، وتنهد أحدهم معبرا عن ألمه من عذاب الانتظار، وملل اللحظات المتماثلة، وكأنهم يقولون ما أسوأ ان تكون الصورة ثابتة ، لاحركة فيها تبعث على التجديد الذي يعني ـ الحياة !!
تميس جاف وريالات معدودة
وعلى بعد خطوات رحت اتأمل ثلاثة عمال احدهم كان يحشو فمه بقطع من التميس البارد والجاف بعد ان يغمسه في طبق بلاستيكي من الفول البارد ويتجاسر على ابتلاعه دون وجود حتى كوب ماء قريب منه . . ويشاركه في المأدبة زميلاه اللذان كانا اقل حفاوة بالأكل لسبب لم استطع معرفته .
من اين لكما هذا الطعام \" سألتهما \" فقال احدهم انه من اخر الريالات التي ما زالت هي كل ما املك، ومن خلال بريق خافت في عينيه فهمت، انه يتوجس من انقضاء وتلاشي \" دريهماته \" القليلة، دون ان تلوح في الأفق بوادر لانفراج ازمته وزميلاه، وعندها – كيف ستكون مسألة تدبر موضوع الطعام؟ !
رمقتهم حتى انتهوا من طعامهم ثم اطاحوا بالقليل الذي بقي بجانبهم، وتساءلت من يدري هل تأتي احد القطط وتكمل الباقي ام تتحول تلك البقية من الطعام الى قمامة جديدة تضاف الى روائح المكان؟ !
صورة مع الجواز
والتفت الى الوراء وإذا بثلاثة من جنسية أخرى، وابتدرني أحدهم باخراج جواز سفره من باطن ثيابه، ثم فتحه، وراح يشير به نحونا، وكأنه يقول بلسان الحال والمقال : خذوا لي صورة مع الجواز، في إشارة الى أنه بلغ الجهد من الضجر بالانتظار، ويريد من يضع
على جوازه بصمة الخروج، لينعتق من ربقة الانتظار هنا الى فضاء الارتحال إلى بلاده .
جيب مليء بالاصفار !!
وجذبني أحدهم قائلاً انظر الى جيبي، وشدتني جسارة اصراره على أن يكون لـ \" الكاميرا \" حديث مباشر مع جيبه الذي كان قاعاً صفصفاً، واردت ممازحته عندما قلت وماذا عن الجيب الآخر في اسفل ثيابك، فنهض في مشهد درماتيكي مثير قائلاً : وهذا هو الآخر تصفر الرياح في جنباته . . وفهمت انه صار من الناحية المادية يشكل \" صفراً \" وهنا تكمن معضلة الإنسان عندما يتفقد ذاته فلا يجد أنه يملك قرشاً واحداً، ولم يدعني ابارحه إلا بعد أن أخذ مني موثقاً بأن أنقل \" الصورة \" كما هي !! .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *