بقلم: عبدالله رواس
على ذكر الطبخات الشهيرة اللذيذة كالبامية والملوخية !
كنا والوالدة رحمها الله في زيارة سياحية للمغرب الشقيق وتشهينا أكلة ( الملوخية ) فسعيت أجوب أسواق الخضار بالدار البيضاء أسأل عن حٍزَم الملوخية وأبذل كل التوصيفات للحصًول عليها دون جدوى !
ثم بعد أيام حَضْرت للمسكن فوجدت كمية من اوراق الملوخية جاهزة للبدء في فرمها وطبخها !
وأتضح أن التي أتت بالملوخية الخادمة المغربية !
وهي أساسا فلاحة تجوب بيوت الحي المتناثرة خلف فندق ( طارق ) بساحل ( أنفا ) كراعية أغنام !
لقد أنصتت هذه الخادمة لتوصيفات والدتي عن الملوخية فخرجت وغابت الى مرعى أغنامها وأتت باكوام من شجيرات الملوخية وهي متعجبة كيف نتشهى طبخها طعاما لنا وهم في المغرب يجعلونها علفا لأغنامهم ! والفرق في فهم مسمي هذه النبتة !
فنحن وكل الشعوب العربية وبخاصة المصريين نطلق على النبتة الشهية مسمى ( الملوخية ) أو ( الملوكية ) بالعصر الفاطمي أيام الحاكم بأمر الله !
وفي المغرب الشقيق يطلقون عليها مسمى ( الربيع ) أي الحشائش التي تنبت بالمراعي بموسم الأمطار ويجعلونها علفا لأغنامهم !
فإياكم وتشهّي ( الملوخية ) بالمغرب الشقيق وهذا قبل أربعين عاما !
ولا أدري إن كانت المسلسلات التليفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي المتطورة ( الجوالات ) عملت عملها فأنهت تجافي المغاربة لوجبات الملوخية لينهمكوا مثلنا في التلذذ بالتهامها كأفضل الوجبات !
أيضا ( الفول ) غير مشتهر بالمغرب إطلاقا !
وقد سعى مواطن مكي من
( آل اليماني ) لتحضيره كطبق مفضّل ! وألّرًُّز البخاري والشاورما كوجبات يتشهاها السعوديون عاشقو السياحة بالمغرب !
لكن هذا التوجه كان الإقبال عليه كبيرا من السعوديين في مبتداه قبل ثلاثين عاما ثم أنصرفواعنه !
فهم على ما يهيئه لهم المغاربة من طبخاتهم المفضلة التي لها لذائذها ومسمياتها وأشهرها
( الكسكسي ) و( الّطّاجن ) !وكان من حظي أنْ كانت أول زيارة لي للمغرب الشقيق في شتاء عام ١٩٧٥م على إحدى الرحلات المجانية التي كانت تنظمها الخطوط الجوية الملكية المغربية بموسم الحج إذ كانت طائراتها تفرغ ركابها من الحجاج المغاربة بجدة وبدلا من عودتها فارغة تملأها بمئات من الموظفين السعوديين لقضاء إجازتهم السنوية ببلاد المغرب !
ورحم الله السيد ( عبد الحي ) قنصل السفارة المغربية بجدة الذي كان نشطا وذا ( ود ) ومهارة في الترغيب للسياحة ببلاده المغرب وأظنه أول من إبتدع السفر المجاني على الطائرات المغربية عند عودتها خالية !
وطبعا العائد من وراء هذا الترويج السياحي كبير جدا وتفاصيله ليس خافيا !
وكانت الرحلة التي سافرت عليها تعج بكثير من الأصدقاء وفوجئت بالمقعد الذي أمامي بالصديق الصحفي المشاكس الأستاذ ( محمد عبد الواحد ) رحمه الله ! الذي أحال الطائرة بضجيجه المعهود إلى إمتاع لا حد له ! وكان من براعته أن إستحوز على إهتمامات المضيفات بالطائرة ! وحفزهن لتلبية طلباته الإستثنائية من الاطعمة والمشروبات وذلك بمخاطبتهن بأبيات يحفظها من شعر نزار قباني ويوهمهن على أنّ ذلك من شعره !
والمغربيات معروف إنجذابهن للشعر الرومانسي عموما !
ولم أجرؤ أنا ولا غيري على كشف لعبته بتقمِصّ دور الشاعر بأبيات أتقن إنتحالها من شعر نزار فهو سيحيل الجوالرومانسي الذي أشاعه إلى جو هجائي ضدنا من أبيات يتقن حفظها ايضا !
ولا حيلة وقتها لإسكاته فهو ضاج بطبعه وبطلقات ظرفه اللاذعة الساخرة !
ولست في حل من ذكر أسماء زملائه في تلك الرحلة الماتعة على طائرة الخطوط الجوية الملكية المغربية ولا من تفاصيلها التي كان هو فارسها دون منازع !
وهو لم يكتف بتقمّص دور الشاعر فقط ! بل تقمّص دور قارئي ( كَفّ ) أيضا ! وبإتقان ومرح أشغلنا عن رهبة طول الرحلة الجوية في إشتتداد رياح الشتاء العاتية !
وكان لظرفه وسلاطة لسانه لا يقدم على ( مُقْتَحَمٍٍ ) إلا ويبرع فيه !
ولفد باعدت بيننا السنين فبعدما كنت ألتقي به ليليا بالمركاز الصحفي الذي يتزعمه الصديق الصحفي المتفرد الأستاذ ( علي خالد الغامدي ) بمقهى ( الدروبي ) بجدة والذي كان يجمع من الأسماء دون حصر الأساتذة عبد القادر شريم محمد صادق دياب أحمد بن سهل أحمد العامودي رحمهم الله وعلي الحسون عمر أبو زيد محمد الفايدي سليم هلابي عبد الرحمن بريك عتيق الجهني عبد العزيز الشرقي حسن باخشوين كمال القوفي علي بن سلم خالد قاضي أحمد الشمراني عبد الرحمن بحير عبدالرؤوف ناجي عبدالله باخشوين سالم مريشيد والأخوين أحمد ومحمدعبد الواحد !
أما غير المنتظمين بذلك المركاز
( الليلي ) فجل الأسماء الصحفية اللامعة بأواخر الستينيات الميلادية من القرن الماضي !
ولأن محمد عبد الواحد رحمه الله لم يكن يُسلم قٍيادَه لأحد في مشواره الصحفي إلا للراحل الكبير الأستاذ ( عبد الله عبد الرحمن جفري ) رحمه الله ! فإنه غادر ( عكاظ ) لمغادرة الأستاذ الجفري ! وهام متنقلا من صحيفة لأخرى دون أن يكف عن تعقب وإلهاب رؤسائه وخصومه بالصحف التي عمل بها !
حتى إنه عندما أحكموا خمد قلمه إهتبل فرصة مواتية وعمل ملحقا صحفيا بالسفارة السعودية بألمانيا هيأها له صديقه الدكتور فاروق أخضر !
وطبعا دون إلمام بأي لغة أجنبية سوى الجمل المتداولة !
ثم لمّا عاد من فترة عمله بالسفارة كان ليس أمامه لمزاولة العمل الصحفي وقد ضاقت به السبل إلا قبول إحتضان صديقه رئيس تحرير صحيفة ( اليوم ) الأستاذ محمد الوعيل الذي أفرد له كتابة عاموده اليومي بالصفحة الأخيرة لسنوات !
لكنه بهذا الانتقال لصحيفة ( اليوم ) ابتعد عن سز توهجه وجمهوره العريض بالمنطقة الغربية !
فخفت وقلّ تواصله وركن أكثر وقته إلى ما يشبه الاعتزال فلزم بيته !
إن أخر لقاء لي معه قبل سنوات بمكتبة ( الراية ) بجدة لدى صاحبها الصديق المثقف الأستاذ نزار الحازمي حين يأتي لشراء الصحف والمجلات العربية وقد أهداني بتوقيعه كتابه المتوهج ( جمجمة في ضوء الشمس ) !
أمٌا آخر محادثة معه عبر الهاتف فقبل وفاته بشهر تقريبا وعلى أن نتلاقى فلم يتم التلاقي !
إذ جاء نعيه فجأة فعمّ الحزن الوسط الصحفي برمته وأُسدل الستار على أشهر صحفيينا تميزا بالكتابة الصحفية الرشيقة والسخرية الإحترافية اللاذعة !
وبعد فهذه خواطر استدعتها مناسبة التحاور عن الطبخات اللذيذة والمناكفة بين الزوج وزوجته على تجهيزها والتي أوردها في مساجلة بمنتدى التواصل الاجتماعي واتس أب ( التلوتيه ) القلم الصحفي اللاهب بمجلة ( إقرأ) في أول عهدها برئاسة الدكتور عبدالله مناع وأعني به رئيس قسم التاريخ بالجامعة الدكتور (عمر يحى ) !
وعساها ( الخواطر ) راقت لكم وإلى لقاء .
