جدة ــ البلاد
تكتسب العلاقات التي تربط المملكة العربية السعودية، بمملكة إسبانيا أهمية خاصة، في ظل تسارع المتغيرات الدولية والإقليمية، التي تتطلب تبادل الآراء، وتنسيق المواقف بين المملكة والدول الصديقة، التي تتبوأ فيها إسبانيا موقعا متميزا .
وتدخل العلاقات الثنائية بين البلدين منعطفا جديدا بزيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع لإسبانيا؛ إذ سيتم خلال الزيارة توقيع اتفاقيات ثنائية في عدد من المجالات، ستعزز علاقات التعاون بين البلدين، وتطورها إلى مجالات أرحب.
قواسم مشتركة:
لعل ما يعزز العلاقة بين المملكة وإسبانيا تجاوزها المفهوم التقليدي لمعنى الصداقة؛ إذ توثقت علاقة البلدين بالزيارات المتبادلة على أعلى المستويات، وبالشراكة الاستراتيجية التي شملت كافة اﻟﻤﺠالات، وبالاتفاقيات الثنائية التي غطت كل الميادين، و تَرسخت بالمواقف المتشابهة إزاء قضايا المنطقة والعالم، سيما قضية السلام في الشرق الأوسط، التي لعبت المملكتان دوراً بارزاً في تذليل الصعاب التي تعترضها؛ فمدريد انطلقت منها عملية السلام في الشرق الأوسط، وأسفرت عن وضع أسس للسلام على مبدأ “الأرض مقابل السلام” وقرارات الشرعية الدولية، والرياض انطلقت منها المبادرة العربية للسلام على مبدأ الانسحاب الكامل مقابل السلام الشامل، ثم تحولت إلى مبادرة عربية، عندما تبنتها القمة العربية في بيروت في مارس ٢٠٠٢؛ ولتصبح هي الأخرى أساساً للتسوية الشاملة والعادلة والدائمة المبنية على قرارات الشرعية الدولية.
فثمة قاسم مشترك بين المملكة وإسبانيا تجاه السلام في المنطقة، يؤكد تقارب وجهات النظر بين البلدين تجاه هذه المسألة، عبر عنه الأمير سعود الفيصل “رحمه الله” في مؤتمر صحفي مشترك، عقده سموه مع وزير الخارجية والتعاون الإسباني ميغل أنخل موراتينوس، حيث قال سموه: إن العلاقات بين بلدينا في هذا الصدد تنطلق من أرضية مشتركة، فمدريد انطلقت منها عملية السلام في الشرق الاوسط وأسفرت عن وضع أسس للسلام على مبدأ الارض مقابل السلام، وقرارات الشرعية الدولية، والرياض انطلقت منها المبادرة العربية للسلام على مبدأ الانسحاب الكامل مقابل السلام الشامل.
تاريخ من الترابط :
تربط المملكة وإسبانيا بعلاقات قوية ومتينة يعود تاريخها الى أكثر من خمسين عاما، عندما بدأت عام 1957م ويعمل قائدا البلدين على ترسيخها وشموليتها.
ثم إن العلاقات بين المملكة وإسبانيا تعد امتدادا لتاريخ حضارى ضخم، ووليدة إرث ثقافي وحضاري وتراث رائع في إبداعه، وكريم فى عطائه.
ومما يعززعلاقات التعاون بين البلدين الصديقين الاتفاقيات القائمة بينهما حاليا، ومنها اتفاقية فى المجال الثقافى وقعت عام 1404هـ ، تشمل التعاون في مجالات التعليم العالي والبحوث وتعليم اللغات وتشجيع التعاون بين الجامعات، واتفاقية أخرى للتعاون في المجال الجوي وقعت عام 1408هـ.
وتبرز مذكرة التفاهم بشأن المشاورات الثنائية السياسية بين وزارتي خارجية البلدين، التي تم توقيعها في مدينة الرياض واحدة من أهم الاتفاقيات الثنائية بين البلدين الصديقين.
كما جرى في المناسبة ذاتها توقيع اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار بين المملكتين الصديقتين، وتهدف الاتفاقية إلى تشجيع وحماية استثمار مواطني الدولتين في الدولة الأخرى، من خلال توفير الأسس القانونية التي تساعد على زيادة النشاط الاستثماري مع منحهم المعاملة الوطنية ومعاملة الدولة الاولى بالرعاية.
وفي إطار اهتمام وحرص المملكة على إعمار بيوت الله وخدمة الإسلام والمسلمين في كل مكان وفي مناسبة تاريخية، افتتح خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حينما كان أميرا للرياض في شهر سبتمبر عام 1992م ، وبحضور جلالة الملك خوان كارلوس المركز الثقافي الاسلامي في العاصمة الإسبانية مدريد، الذي شيد على نفقة الملك فهد بن عبدالعزيز – رحمه الله- وأصبح المركز اليوم صرحا ثقافيا كبيرا وشاهدا حضاريا على عمق العلاقات الودية بين المملكة وإسبانيا، وعلى متانة التواصل الثقافي والحضاري بين الأمتين العربية والاسلامية من جهة، والأمة الإسبانية من جهة أخرى.
اتفاقيات:
ويتوقع أن تشهد الزيارة الرسمية لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى إسبانيا، التوقيعَ على عقد شراء خمس سفن قتالية من طراز أفانتي 2200 (Avante 2200) بقيمة ملياري يورو، شاملة أنظمة القيادة، والسيطرة على السفن وصيانتها، وتدريب400 بحار سعودي.
وستعزز الفرقاطات الخمس القدراتِ العسكرية للأسطول الغربي للسعودية بشكل ضخم، وستضاعف بسط سلطته على البحر، وستستخدم في مراقبة وحماية المشروع السياحي في البحرالأحمر.
وفي إطار سعي “رؤية 2030” لتوطين الصناعات العسكرية؛ سيشارك خبراء سعوديون في تصنيع البوارج الخمس في إسبانيا، وسيكون للمملكة الحق في إنتاج بعض المكونات، بحسب ما ذكر مسؤول شركة نافنتيا الإسبانية، التي ستنتج السفن لموقع “الأمن والدفاع العربي”.
وتمتلك السفينة “أفانتي 2200” العديد من القدرات العسكرية؛ إذ صممت لمهام جمع المعلومات الاستخبارية، وشن الحروب الإلكترونية السلبية، والسيطرة على السفن التجارية، وعمليات البحث والإنقاذ، ومساعدة السفن الأخرى، ومكافحة التلوث، والعمل في أعالي البحار والمحيطات، واستخدام تكنولوجيا التخفي في صناعتها وأنظمتها، كما أن لها القدرة على اكتشاف زورق بطول 2 متر من مسافة 80 كيلومتراً.
وتتسلح “أفانتي 2200” بمدفع عيار 76 مم متعدد المهام، و8 قواذف صواريخ سطح- سطح هاربون أو إكسوسيت مضادة للسفن، و8 خلايا إطلاق رأسي لصواريخ الدفاع الجوي قصيرة- متوسطة المدى، و6 قواذف للطوربيدات المضادة للغواصات، ومدفع عيار 35مم مضاد للتهديدات الجوية المقتربة، ورشاشين ثقيلين عيار 12.7مم، ورشاش متعدد عيار 7.62مم.
تبادل اقتصادي :
وعلى الصعيد الاقتصادي، تم تأسيس صندوق استثماري بين رجال الأعمال في البلدين، تصل قيمته إلى خمسة مليارات دولار للاستثمار المشترك في البلدين.
وعملت اللجنة السعودية – الإسبانية المشتركة على تعزيز ورفع مستوى حجم التبادل التجاري بين البلدين الذي بلغ نحو 20.85 مليار ريال، تمثل الصادرات السعودية إلى إسبانيا 11.07 مليار ريال، وتمثل الواردات السعودية من إسبانيا 9.78 مليار ريال؛ وفقا لإحصاءات 2016.
وبلغ عدد المشاريع المشتركة 51 مشروعا، منها مشروعان تجاريان وأربعة تراخيص مؤقتة، و35 في الخدمات، وعشرة في الصناعة، بينما بلغ عدد المشاريع الإسبانية في المملكة 70 مشروعا، منها 46 مشروع خدمات، و17 ترخيصا مؤقتا، وسبعة مشاريع صناعية، أما عدد المشاريع الشاملة فبلغ نحو 121 مشروعا، منها 81 مشروع خدمات و17 مشروعا صناعيا، ومشروعان تجاريان، و21 ترخيصا مؤقتا.
ومن أهم السلع المصدرة من المملكة إلى إسبانيا في 2016 المنتجات المعدنية، ومنتجات كيماوية عضوية، واللدائن ومصنوعاتها، والألمنيوم ومصنوعاته، وأسماك وقشريات، بينما تتضمن أهم السلع المستوردة من إسبانيا في العام نفسه السيارات وأجزاءها، والآلات والأدوات وأجزاءها، وقاطرات السكك الحديدية، والأجهزة والمعدات الكهربائية وأجزاءها، ومصنوعات من حديد الفولاذ. وتعمل المملكة وإسبانيا على زيادة حجم الاستثمار في القطاعات ذات الأولوية في البلدين، وتعزيز التعاون في المجال التجاري والاستثماري بين مجتمع الأعمال، وتفعيل دور مجلس الأعمال السعودي الإسباني للقيام بدوره في تنمية التجارة والاستثمار. كما تعمل اللجنة على تعزيز التعاون بين القطاع الخاص لتبادل زيارة الوفود التجارية والتعريف بإمكانات التصدير وفرص الاستثمار لكلا البلدين، إلى جانب مشاركة التجارب فيما يخص تطوير قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في مجالات الابتكار، وتأهيل وبناء خبرات رواد الأعمال.
وأيضا زيادة الاستثمارات الإسبانية في المملكة في المجالات الصناعية، والاستفادة من التجربة الإسبانية في مجال التحول الاقتصادي، وتشجيع شركات القطاع الخاص الإسبانية على الاستثمار في قطاع التعدين في المملكة، ورفع حجم التبادل التجاري، وبذل الجهود المشتركة لتوسيع وتنويع المنتجات التجارية المتبادلة بين البلدين، إضافة إلى التزامهما بدعم المبادرات الجديدة الرامية إلى تحديد الآليات الممكنة لتسهيل التبادل التجاري، وذلك من خلال تشجيع تبادل البعثات التجارية بين البلدين، والمشاركة في الفعاليات الاقتصادية التي تقام في البلدين. ومبادرات «رؤية المملكة 2030»، وتشجيع الاستثمارات المتبادلة والشراكة بين القطاعين الخاص والعام وخصخصة الخدمات وشركات القطاع العام السعودي، ومساهمة الشركات الإسبانية في المشاريع الضخمة الجديدة.
يذكر أن أبرز المشروعات الإسبانية في المملكة في مجال السكك الحديدية، حيث فاز تحالف شركات إسبانية سعودية بتنفيذ المرحلة الثانية من مشروع قطار الحرمين السريع، الذي يربط بين جدة والمدينة المنورة ومكة المكرمة على طول 450 كلم. وتتضمن أعمال هذه المرحلة استكمال أعمال البنى العلوية، التي تشمل توريد وتركيب القضبان الحديدية وأنظمة الإشارات والاتصالات ونظام كهرباء الخطوط، وأيضا توريد وتركيب 35 قطارا، كما تشمل تشغيل وصيانة المشروع خلال مدة العقد البالغة 12 عاما.
تعاون ثقافي :
وفي إطار دعم التعاون الثقافي بين البلدين احتضن قصر المؤتمرات في العاصمة الإسبانية مدريد أياماً ثقافية سعودية، تحت عنوان “ألوان من المملكة العربية السعودية” اشتملت على عروض ثقافية وفنية متنوعة، تعكس مدى أصالة الحضارة في شبه الجزيرة العربية.