عبدالعزيز حيد الزهراني
لعب الغش التجاري في السنوات الاخيرة في أروقة الاسواق المختلفة دوراً اجتماعياً سيئاً أهدرت به الاموال وضاعت به المصداقية والثقة وتبددت به البضائع المغشوشة والمقلدة وضربت كيان الاقتصاد وهيمنت بشكل ملحوظ على جودة السلع وفتحت من خلالها أبواب أخرى للجريمة وأصبح الاقتصاد السعودي متذبذب ومهزوز بسبب إنتشار البضائع المغشوشة والمقلدة والرديئة في أسواقه التجارية وترتب على هذا الانتشار أضرار جسيمة صحية ومادية ومخاطر قاتلة تضرب المجتمع وتؤرق كيانه وتعطي صورة مغلوطة وسيئة لدى المستهلك والمستثمر عن الاقتصاد السعودي فقد تفقد الثقة في التبادل التجاري وتسبب تأخر في نمو الصناعة و التجارة في المملكة بسبب غياب الوطنية لدى بعض رجال الاعمال السعوديين الذين ليس لهم هدف إلا الربح المادي السريع وتقديم منتج غائب عن الجودة والموصفات بالتالي استمر الغشاشون وسعوا على إنتشار إستثماراتهم في ظل غياب الرقابة وعدم تطبيق التشريعات التي تجرم مثل هذه الاعمال المشينة في الاسواق التجارية بل أنها في حقيقة الأمر أصبحت ظاهرة مستفحلة .
هنا يتسأل الموطن عن غياب أدوار عدد من الجهات المعنية بالرقابة على المواد الاستهلاكية كالمستحضرات الطبية وأدوات التجميل وقطع الغيار والمواد الغذائية والملبوسات والادوات الصحية والكهربائية وغيرها ، يتعين لنا من خلال ماشاهدناه عن الغش التجاري ان نضع مجمل من التساؤلات للجهات المسئولة في كيفية دخول البضائع المقلدة والمغشوشة والرديئة إلى أسواقنا ولماذا غابت الرقابة ومتطلبات الموصفات والمقاييس وأين الجهات الجمركية ولماذا تمر مثل هذه المخالفات بين أيدي الجهات الرقابية و المعنية دون اكتراث ؟ ..ثم كيف يتم تصنيع منتجات مقلدة ومغشوشة داخل الاماكن المهجورة والبنايات الفاخرة والمزارع المنتجة والمستودعات المغلقة ومساكن العمالة المخالفة والهاربة في الاحياء العشوائية القديمة بهذه البساطة وهذه الجرأة وتسويقها وتوزيعها على المحلات بكل ثقة ومصداقية وتعتلي البضائع ذات الجودة العالية حتى أصبحت تعيش وزارة التجارة والصناعة في أضرحة التستر وأصيبت بنوع من التراخي والشلل وعدم القيام بواجبها للحد من هذه الكوارث التي تهدد صحة وسلامة المجتمعات وتضر بالاقتصاد الوطني وكذلك غياب الدراسات الجادة والفاعلة في أروقة الوزارة التي تساند جهد الجهات الرسمية المتخصصة في الرقابة على الجودة بسبب الانفلات الرقابي وعدم إشراك القطاع الخاص المتخصص للراغبين بالتعاون في الرقابة مما سمح بإعطاء الغش التجاري مساحات واسعة لكي يعتلي في قمة السلع المقلدة وهرم التجارة المغشوشة في ظل غياب الرقابة . لذا علينا نحن و المجتمع أن نصنع الفوارق في حياتنا اليومية لإعادة الصياغة في التربية التجارية لأبنائنا ومحلاتنا من مبدأ مخافة الله أولاً وتطبيق الرقابة الذاتية والامانة و تكريس مفهوم الثقافة التجارية والاهتمام بالجودة في التسوق واقتناء المتطلبات اليومية ذات الجودة العالية والحجر على البضائع المغشوشة والمقلدة بعدم شرائها والتوسع في نشر الثقافات المختلفة بالتعريف بالعلامات التجارية والبضائع ذات الجودة المميزة والمرخصة التي تحمل علامة الجودة ومطابقتها للموصفات والمقاييس والتحرك المجتمعي للأخذ بالاعتبارات التجارية والتعاون في مواجهة مظاهر الغش التجاري عبر تحريك الحس الوطني من خلال منابر الجوامع والمساجد والخطب والمحاضرات والندوات وورش العمل في المؤسسات التعليمية والمهنية على الأخذ بالاعتبار من الجهات الرسمية والمعنية بتوعية المجتمع بأنواع الغش التجاري وأساليبه وطرقه التحايلية وأنها لا تعفي ولا تقلل من إعادة الصياغة للقوانين والانظمة وسن نهج جديد لضبط الصادرات والواردات الصناعية والتجارية وإيضاح الإجراءات الصارمة في حق التجار المتلاعبين وشطب سجلاتهم التجارية نهائياً وعدم السماح لهم بمزاولة أي نشاط مستقبلاً و التغريم و التشهير بحقهم في وسائل الاعلام بكل جد ومصداقية من أجل إيقاف زحف ظاهرة الغش التجاري وذلك بتفعيل التشريعات التي جرمت الغش التجاري وصنفتها بانه جريمة جنائية لذا لابد من التوسع في الشراكات وسد الثغرات بين وزارة التجارة ووزارة الداخلية وإسناد الاختصاص في التحقيق في قضايا الغش التجاري لهيئة مستقلة تحت مسمى (هيئة التحقيق التجاري) بدلاً من هيئة التحقيق والادعاء العام التي أسند لها نظام مكافحة الغش التجاري الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م 19) بتاريخ 23 /4/ 1429هـ مع الأخذ بالاعتبار بأن الاسناد والاختصاص لهيئة التحقيق التجاري كهيئة مستقلة تزود بالمحققين والخبراء في التجارة والصناعة والجودة والمواصفات والمقاييس والهيئات الجمركية يعطي التحقيق أكثر مهنية ويستطيع أن يضبط التداعيات التجارية وينظم حركة الاسواق في الصادرات والواردات بنتائج التحقيق المتخصص ومن خلال هذه التنظيمات يتعين لنا كذلك بأنه لابد من إنشاء محاكم تجارية متخصصة للبت في القضايا التجارية لأنه بات الامر ضروري وملح في ظل هذه الهيمنة التجارية والفوضى العارمة التي تسود الاسواق بانتشار الغش التجاري في البضائع المغشوشة والمقلدة وتزوير العلامات التجارية التي تؤدي إلى الاضرار بالمصلحة العامة وينتشر من خلالها الفساد والاوبئة و الاخلال بمناحي الحياة وسبل العيش الكريم.
• باحث في القضايا والدراسات الأمنية والاجتماعية
