الأرشيف النادي

الضمان الصحي .. الفرص والتحديات (امن2)

يشهد مجتمعنا في الوقت الحالي التطبيق العملي لقانون الضمان الصحي الالزامي (التأمين الطبي) ليشغل جميع الوافدين من رجال ونساء وعند الحديث عن الضمان الصحي فاننا نتكلم عن خمسة أطراف رئيسة معنية بهذا الموضوع هي: مجلس الضمان الصحي، وشركات التأمين، ومراكز تقديم الخدمات الصحية، والجهات الملزمة بالتأمين على مكفولها، بالاضافة الى حاملي بطاقة الضمان الصحي، واود ان اشرك القارئ الكريم لهذه المقالة في (بعض) التطلعات والهموم التي تشغل تفكير العاملين في هذا المجال والمستفيدين منهم.
في البداية هناك مجلس الضمان الصحي: وهو الهيئة الحكومية المستقلة التي انيط بها الاشراف على تطبيق قانون الضمان الصحي، ومراقبة التزام الاطراف الداخلة فيه بانظمة القانون وتعليماته، وعلى قدر ما يتمتع به مجلس الضمان الصحي من سلطة ونفوذ كبيرين منحته اياهما الدولة، الا ان هذا النفوذ الواسع يشكل ايضا مسؤولية ثقيلة على عاتق القائمين على المجلس من اجل ضمان نجاح هذه التجربة واستمرارها فمن مسؤوليات المجلس تأهيل شركات التأمين وتقرير جدارة مراكز تقديم الخدمات الطبية على اختلاف انواعها، ثم هناك النظر في الشكاوي ضد الاطراف المتعاملة في الضمان الصحي لذا فان انظار الجميع من مسؤولين ومواطنين ستكون مركزة على قرارات المجلس في الفترة القادمة كضمانة للتطبيق الامثل للقانون.
كل هذه الحقائق تؤكد على اهمية الارتقاء المستمر بمهارات المجلس القيادية والادارية ورفع الكفاءة عبر عدة اساليب منها الابتعاث الى الخارج والتدريب على رأس العمل، كذلك فان من اولويات المجلس الاطلاع الدائم على العديد من تجارب الدول الاخرى في هذا الميدان، ونقل كل ما هو ايجابي الى بلادنا العزيزة، كل هذه المهام لن تكون سهلة، لكننا كلنا ثقة في اعضاء ادارة المجلس الذين يمثلون القطاع الحكومي والخاص في تحقيق ما تصبو اليه الحكومة والمواطنون.
وهنا نعرج بالحديث على شركات التأمين، اللاعب الثاني في مضمار الضمان الصحي، ففي حين ان القانون قد اسهم بشكل كبير في زيادة نشاط تلك الشركات حيث فتح امامها ابوابا جديدة وقطاعات لم يسبق ان طرقتها الامر الذي سيعود على تلك الشركات بعوائد مالية مجزية، الا ان هذه ليست كل الحكاية فإذا قارنا مثلا عدد شركات التأمين المصرح لها بالعمل في السوق المحلية (حوالى 25 شركة سعودية حتى الآن) بعدد المصارف (12 مصرفا) فان العدد الكبير كبير نسبياً لشركات التأمين سوف ينعكس لا محالة في شكل منافسة شديدة بين شركات التأمين ومن ثم على قدرة تلك الشركات على تحقيق ارباح معقولة تمكنها من الاستمرار والنمو ، ففي هذه المرحلة المبكرة من عمر القانون التي تعد فترة اكتشاف لهذه التجربة الجديدة فان طالبي خدمة الضمان الصحي سوف يركزون جهودهم على الحصول على اقل الاسعار الموجودة في السوق، مما سيشكل ضغطا على شركات التأمين التي سيضطر العديد منها الى التضحية بهوامش ربحها على الاقل من اجل ضمان تواجدها على الساحة.
اجمالا ليس هذا هو التحدي الوحيد الذي ينتظر شركات التأمين فهناك تحديات كبيرة اخرى ننتظرها اهمها نضج التجربة لدى مجالس الادارة وكفاءة المديرين التنفيذيين لها، اضافد الى الملاءة المالية، وهناك الاندماج المحتوم بين شركات التأمين العاملة في السوق المحلية، والتدريب، والسعودة، والبنية التحتية، والمنافسة العالمية القادمة بقوة،الخ.
اما ثالث الاطراف الداخلة في الضمان الصحي، فهي مراكز تقديم الخدمات الصحية (من عيادات ومستشفيات ومختبرات طبية) التي ساهم الضمان الصحي بلا شك في زيادة حجم اقبال مرتاديها مما انعكس عليها ايجابا في شكل زيادة ضخمة في مدخولاتها فعلى سبيل المثال قفز الدخل اليومي لأحد المستشفيات الخاصة الى ثلاثة ملايين ريال يوميا (في اليوم وليس الشهر او السنة) شكلت فاتورة شركات التأمين حوالى ثلثي المبلغ (اي مليون ريال) وهنا نفاجأ بأن غالبية مراكز الخدمات الصحية لم تكن قد استعدت جيدا لهذه الزيادة الهائلة في عدد المرضى والمراجعين، سواء فيما يخص الكادر الصحي او البنية التحتية والادارية، مما اثر سلبا على مستوى الخدمة المقدمة للزبائن. وهنا اقول انه لا يوجد حل سحري لهذه المعضلة، لكن المنطق يملي على القائمين على تلك العيادات والمستشفيات ان تستفيد من هذه الطفرة على دخولها في شكل استثمار في رأس المال البشري والتقني مما سينتج عنه اجتذاب مهارات طبية عالية لها القدرة على الرقي بمستوى الخدمات الصحية المقدمة، اضافة الى اهمية وجود المختبرات المؤهلة والمعامل الطبية الحديثة التي ستعزز من مستوى الجودة.
وهنا يجب ان نحمد المولى عز وجل ان ألهم قيادتنا الحكيمة في وقت مبكر ان تبتعث العديد من ابنائنا وبناتنا الطموحين لدراسة الطب والعلوم الطبية المساعدة في احدث الجامعات العالمية والمعاهد الصحية التابعة لدول العالم الاول: وقد حان الوقت لكي يجني الوطن ثمار هذا الغرس المبارك، فعما قريب سيعود هؤلاء الشباب والشابات مسلحين بسلاح العلم والمعرفة، وسيشكلون رافداً بشريّاً مهمًّا من روافد القطاع الصحي في وطننا العزيز لكن التحدي هو مدى اقبال مالكي المستشفيات الخاصة والمختبرات على توظيف هؤلاء وما هي الاجور والرواتب التي سيقدمونها؟ ثم هل هناك خطط لدى المسؤولين عن الصحة في بلادنا من اجل استيعاب هؤلاء؟
وللحديث بقية بإذن الله
لؤي طلال عبده
مختص في مجال التأمين
ص.ب 40136 جدة 21488

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *