المدينة المنورة – جازي الشريف
قال الأستاذ الدكتور محمد بن عبدالهادي الشيباني رئيس قسم التاريخ بالجامعة الإسلامية وعضو هيئة كرسي الأمير سلمان إن المجتمع المدني في القرن الأول الهجري كان مجتمعاً يسوده التراحم والتعاطف، مؤكداً أنه كان مجتمعاً نشطاً منتجاً وعمل معظم أفراده في التعليم والزراعة والتجارة.
جاء ذلك في محاضرة له عن \"ملامح المجتمع المدني في القرن الهجري الأول\" نظمها كرسي الأمير سلمان بن عبدالعزيز لدراسات تاريخ المدينة المنورة بالجامعة الإسلامية، بحضور سعادة الأستاذ الدكتور إبراهيم بن علي العبيد وكيل الجامعة للشئون التعليمية نائب المشرف العام على الكرسي وسعادة الأستاذ الدكتور محمود قدح وكيل الجامعة للتطوير وعددٍ من أعضاء هيئة التدريس والطلاب والمهتمين بتاريخ المدينة المنورة.
وقال الشيباني خلال المحاضرة إن النبي صلى الله عليه وسلم عمل على رسم ملامح المجتمع المدني بنفسه قبل أن يتفرغ لنشر الإسلام في الجزيرة العربية الذي انتهى منه قبل وفاته.
وتحدث عن جوانب من الحياة في المدينة في القرن الأول، موضحاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقْطِع أصحابه قطع الأراضي الكثيرة لحثهم على الزراعة والإنتاج، كما كان الأنصار يمنحون النبي صلى الله عليه وسلم الأراضي الخالية ليُقطعها للمهاجرين، حتى ذُكر أنه لم يكن بالمدينة أحد من المهاجرين إلا له أرضٌ يزرعها. وقال إنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع سعر الأراضي في المدينة حتى بلغ سعر بعضها 100 ألف درهم، كما كان لتلك الإقطاعات التي استمرّت في عهد الخلافة الراشدة أثر كبير على تنشيط الزراعة وزيادة الإنتاج الزراعي في المدينة واستصلاح الأراضي.
وعرّج الشيباني على أبرز معالم المدينة في القرن الأول الهجري بعد المسجد النبوي، وعدّ في أوّلها بقيع الغرقد الذي كان مدفن أهل المدينة في شرقي المسجد النبوي، وكان مثالاً على تراحم أهل المدينة وتشارُكِهم في الأحزان والتعزية، وبلغ التزاحم في البقيع على شهود الجنائز ذُروته.كما عدّ من معالم المدينة \"بلاط المسجد النبوي\" الذي وُضع للإحاطة بالمسجد في العهد الأموي، وجعلت في أسفله ثلاث قنوات لتصريف مياه الأمطار، مشيراً إلى أن هذا البلاط كانت له منزلة عظيمة وتشتاق إليه النفوس التي فارقت المدينة.وعرّج في معرض ذكره للمعالم على أسواق المدينة ومنها السوق التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه لأهل المدينة، كما ذكر من المعالم \"المُصلّى\" وهو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه العيدين والاستسقاء وغيرها، ويقع الآن جنوب مسجد علي رضي الله عنه الذي لا يزال موجوداً.
أما من ناحية التعليم فقال الشيباني إن المدينة كانت مركزاً تعليميًّا مهمًّا، ففضلاً عن المسجد النبوي الذي كان معهد التعليم الأول، انتشرت الكتاتيب وكان المعلمون يتلقون أموالاً من الدولة، وكثرت في العصر الأموي الرحلة من أرجاء الدولة الإسلامية إلى المدينة بقصد السماع ممن بقي من الصحابة رضوان الله عليهم مباشرة والأخذ عنهم، وتأسست مدرسة الفقه والحديث في المدينة وكان لها أعظم الأثر في التاريخ الإسلامي.
كما تحدث الشيباني عن العطاء أي المبلغ المالي الشهري الذي كثر في خلافة عمر رضي الله عنه وكان يُعطى لمستحقيه بناءً على معايير معينة، حيث وضع عمر رضي الله عنه نظاماً له وأحصى مستحقيه، مبيّناً أنه لما كثرة العطاء زاد السعر في كل شيء، كما كان للعطاء جانب آخر وهو الرزق، حيث كان عمر يُفرِّق على الصحابة كل ما يرد عليه من أموال عينية، وكان يخص أمهات المؤمنين بأرقى ما يَرِد إليه، كما أمر عمر رضي الله عنه لكل فرد بتموين شهري أسري مكونٍ من مُدَّيْن من البُرّ وقسطين من الزيت والخل. كما أمر عمر والي مصر عمرو بن العاص بإرسال الحبوب إلى ميناء الجار (الرايس) وبنى مخازن لتخزين الحبوب ريثما توزع على أهالي المدينة.
وأشار إلى أن المدينة كانت عامرةً بالمزارع وخاصة زراعة النخيل إلى حد أنه في عهد عثمان رضي الله عنه بلغ سعر فسيلة النخل ألف درهم.
وأجرى معاوية رضي الله عنه عدة عيون لسقي المزارع، وأجرى بعض العيون تحت الأرض وجعل لها فتحات يستقي منها الناس، كما أقام سدًّا على وادي قناة بمجمع الأسيال، وكان في ينبع وحدها 100 عين.
