شذرات

أين كنت ؟

يدلف الوقت نحو الخامسة مساء ،تضع زوجتي القهوة وشيئا من حلوى ،تجلس ذابلة ملامحها كثمرة غادرها فصل الصيف. كان ابني ذو الثلاث سنوات يضحك ,يركض ،يفتح ذراعيه كي تفتح ذراعيها ..اقتربتُ فتحتُ له ذراعي ّ كي يركض نحوي ..انتابه الفزع وركض نحوها ..مردداً عبارات جعلت شفتيها تفتران عن ابتسامة بفم خال من الأسنان،
شعرت بالصدمة والدوار ، طفلي يتكلم ،يردد عبارات تجعل أمه تضحك دون تحفظ.أين كنت عندما نطق ابني كلماته الأولى ؟!!
حدقت في وجه زوجتي الذي كاد ان يغادره الجمال مبكرا ابتلعتُ سؤالا وابتلعتْ غصة ، ناولتني كوب قهوتي وعادت تداعب طفلها وتضحك بفم خال من الاسنان اين ذهبت اسنان زوجتي وأين كنت ؟
تقرأ أسئلتي تتركني حائرا ،ابحث عن اجابة ،يتبادر إلى ظني أنها لاتهتم أو لم تعد تهتم …
كانت زوجتي حلم الكثيرين , ،لم أعتد الهزيمة ، وماأن دخلت المنافسة حتى فزت بها …
كنت حلمها الأبيض …كقلبها , كسيرتها , تطرزني بالجمال كما يليق بها لاكما يليق بي …
دخلنا بيتنا الذهبي ، جهات الاتصال لدي تحمل مئات الأسماء من الفتيات ، جهات اتصالها تحمل اسمين ، أنا وأمها …
وماإن مرت بضعة أشهر حتى حملت زوجتي ..لتخلد اسمي .وتعوض فقدها وأمها ..حيث كانت وحيدة والديها
وتوفي والدها وهي في السنة الأولى من عمرها , تقول ومرارة الفقد على شفتيها …الرجل يعني لي الكثير ..
كنت أغرق في حب جديد ، تتقيأ زوجتي كثيرا ـ تكره رائحة العطر ورائحتي ، محيط خصرها يكبر ، ملابسها تتسع ، ملامح وجهها تتغير ، كعب حذائها يقصر , حبيبتي رشيقة ،مرحة ، منطلقة ، متوثبة ، تضع عطرا صارخا . ترتدي حذاء بكعب عال ، وتركض كالأطفال …ألتقيها كل صباح حين ذهابي للعمل . تبادلني العبارات الأنيقة ..أصبحت افتقدها ..أبحث عنها ..ثم منحتني رقم هاتفها الخلوي ,
بطن زوجتي يتكور ، تشتهي فاكهة ومكسرات , حبيبتي تمارس الحمية ،تكتفي بالعصيرات الطازجة ،
تنام زوجتي كثيرا ، وأنا أغرق في الحب ، أقف في الشرفة ، ألقي ورودا نحو الشرفة الأخرى ،تضحك سيدتها وتلقي نحوي ورودا أكثر ،
تكمل زوجتي حملها في منزل أمها ..كما كانت أمي فأنا لاأجيد العناية بالمرأة الحامل كما كان أبي ….
أدمنت حبيبتي ، والصباح ، وشرفة منزلي ، وورود الحب ..
لم أرتب الوقت ،ولم يحفل بي ، تسعة أشهر مرت ، دوني …تحمل أم زوجتي خبرا جميلا ..
طفلي الأول ، كينونتي ، أبوتي …ركضت نحو الحدث الجديد ،
محمد ، كإسم والدي … توقعت بعض التغيير ، لكنني أمعن في الغياب كلما أمعنت زوجتي في الاهتمام بطفلها …
ينمو ابني بعيدا عني كما نما في بطن أمه بعيدا …
تتصفح متاجر الأطفال العالمية ، تنتقي كنزات الأطفال بمفردها ..
لا أعرف محلات الأطفال ولا أدويتهم ولا أطعمتهم المفضلة …
لا أعرف جواربهم الصغيرة ولا أحلامهم الكبيرة
يضحك طفلي ، تبادله أمه الضحك ، تلك اللغة الجميلة تنمو بينهما وأنا كأبعد نجمة عن الأرض ،
يهرولان ، تركض نحو الحمام ، رائحة شامبو الاستحمام –تنتشر ،تبعث على الانتعاش
اقترب ،أتأملهما . تضع زوجتي شامبو الأطفال على شعره ، يضحك ، يلهو .. تزيل أثار الصابون ، تشطفه ـ تحمله نحو غرفته .
اشعر بالوحدة والبرودة والخجل والجبن – اللعنة … أرفع رأسي ..تسقط عيناي على مرآتي أبصق في وجهي …
أتذكر الآن …عندما بدأ طفلي يتدرب على المشي ..كان ينفلت من يد أمه ضاحكا …منطلقا ..تهرول –تمسك به ، تحتضنه ..
كنا نسير في ذلك اليوم نحو مطعم مجاور ، رأسي يكاد ينفجر ، أصارع فراق حبيبتي وخيانتها ..
كان طفلي يمسك بيدي ، وفجأة جذب يده وهرول نحو الشارع المكتظ بالسيارات ..وهو يضحك …صرخت أمه –وأخذت تركض نحوه وهو يركض –يضحك –يلعب – ترتطم زوجتي بسيارة كبحت فراملها ..تسقط على الأرض – تفقد أسنانها ..يحملها المارة نحو المستشفى …
تستيقظ – فمها خال من الأسنان – تبحث عن طفلها – تتحسس جسده –تطمئن عليه ،تحتضنه ، تهرب من المرآة ومن الناس
بينما لم تعد تأبه بي ..
هأنا أمر بالقرب من عيادة أسنان مشهورة ، اقتطع موعدا كي تعود أسنانها ويسقط ذنبي …
فاطمة سعد الغامدي ـ السعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *