يكتبها-عبدالله سعيد
هو شاعر . كتب للأبوّة، واليتم من واقع مرير جدا. مليء بالحرمان والمعاناة. ونقرأ كيف اختصر فجيعة فقده لوالده بيوم ولادته بهكذا شعر، حيث يقول :
جيت الحياة وجاك من ربي الموت
صدّرت ياعـمري وأنا جيت ورّاد
إلى ان قال:
الله أكبر ليه ماني بمبخوت
في يوم واحد صار(موتٍ ومـيلاد)
ولنا أن نتخيل كيف لهذا الشاعر اليتيم – وبعد هذا الفقد – كيف له أن يتحمل صدمة أخرى بعد أن وقع في الأسر وألقي في سجن الرمادي في العراق إبان حرب الخليج الثانية. ومكث هنالك حتى ما بعد التحرير. فقد كان لهذا الابتلاء دوره في تدفق قريحة الشعر وانهمارها بالكثير من القصائد، والتي كتبها بدم الفقد، وماء الفجيعة، فهو الآن يفتقد ” الحرية ” و ” الوطن ” و ” الأهل ” وكل شيء سوى الشاعرية. ثم يرسل الشعر لفلذة كبده احترازا وتمهيدا لأي فقد ربما يحدث..يقول:
لا مت في سجن الرمادي بغارة
قولوا لنوف الحين يرجع من السوق
ويعيش خلف القضبان بقلب مكلوم وروح مريرة.
وبعد خروجه، انطلق للحياة التي افتقدها، ليفجع بالصدمة الأخرى، وهي صدمة التحول والضياع. ويصاب بالخيبة والخذلان ويكتب هذا البيت الذي يختصر الكثير والكثير من القصائد والدواوين والكلمات، فاختصار هذا الضياع بحد ذاته جنون لا يملكه سوى ملوك العقلاء.
يقول :
خرجت من سجن الرمادي ودشيت
سجنٍ كبير تقول سجن الرمادي
ثم يخلّد العتب شعرا بهذه الأبيات ، ويحاول تجاهل الألم بهكذا تفرد :
أجي وارمي (حجارة) غفوتي في (جرّة)النسيان
ابي تشـرب نياق الذاكرة منها وتسقيني
لم يكن شاعرا فحسب، بقدر ماهو ظاهرة، وقضية، وتجربة غنية بالإنسانية والشعر.
إنه الشاعر الجميل:خلف الأسلمي.
